الصفحة 24 من 97

ثانيًا: ووفق القاعدة العامة التي تجْعل الاسم الأول منبثقًا عن الاسم الثاني، مثلما هو انبثاق المغفرة (الغفور) من الرحمة (الرحيم) فإن الأمر يستدعي سريان هذا النسق على الاسم (الرحمن الرحيم) أي انبثاق مدلول (الرحمن) من مدلول (الرحيم) وفي هذا الصدد ليس أمامنا من مستندٍ في بيان ذلك سوى ما ذُكر من أن (الرحمن) أشدّ مبالغة من (الرحيم) وهو أمْرٌ منْ شانِه أن يتعارض مع فكرة انبثاق دلالةِ (الرحمن) من دلالة (الرحيم) لأن الأكثر ... لا ينبثق من الأقل، بل العكس هو الصحيح، ومع ذلك فإن في الأمر مقالًا، وهو كما يلي:

قال الله تعالى:

ژ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ژ سبأ: 2

كنا قد فصّلنا القول في هذه الآية في كتاب (الغفور) فذكرنا أن الله تعالى في موضع اسمه (الغفور الرحيم) يأتي به تعقيبًا على سياق يذكُر أمرًا من شأنه أن يستدعي طلب المغفرة منه سبحانه. أما في هذه الآية فلم يتقدّم الاسمُ (الغفور) بل تقدّم (الرحيم) مُرَاعاةً والتفاتًا للسياق الذي لم يُشْر إلى ذنب من الذنوب، إنما ... ا شار إلى مظاهر قدرة الله في السموات والأرض، فكان وجه التوصل بين الاسم وبين السياق أن الله تعالى جعل كل تلك المظاهر تجسيدًا لرحمته التي اختار لها اسمه (الرحيم) .

واستناداَ إلى هذا البيان ساغ لنا نقول إن المنشأ الذي انبثقت عنه السموات والأرض وما قدّره الله تعالى من أحوالٍ في السَّموات والأرض هو اسمه (الرحيم) ولا يصلح أبدًا أن نستبدله بالاسم (الرحمن) وهو ما سيتّضح لنا بعد مناقشة الأدلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت