الصفحة 1 من 11

الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام

للدكتور عبد الستار أبو غدة

الكويت

الدراسات النفسية في التراث:-

إن من حق التراث علينا أن يكون هو النواة لكل دراسة يراد لها أن تجمع بين الطرف والتليد، وتربط بين الحاضر والماضي المجيد. ويتأكد هذا في المجالات التي تقتصر معظم الدراسات فيها على ترسم خطى النتاج الحديث مع إغماض الطرف عن الجذور التي تساعد على تحقيق الانتماء إلى هذه الأمة في دينها وعلومها وتطبيقاتها على مدى العصور .. حتى سيطرت الهجانة على معظم مقولات العلوم وبلغ الأمر أن يزعم البعض أنه ليس في التراث مواقف تاريخية مدونة تجاه الأمراض النفسية، وقد أتى هؤلاء من تغاير الأسماء، وهولا يؤثر على حقيقة المسميات، كما غفلوا عن أن علوما معروفة قد استضافت حقائق هذا العلم، فضلا عن شواهد التاريخ التي تدحض هذه الدعوى، وأحدها تلك البيمارستانات التي أسست لرعاية المرضى عموما، وبخاصة من جهلت علته أو استعصت على الشفاء أو استطال زمنها. وبعضها يرجع إلى عشرة قرون خلت، وفي صكوك وقفها وسجلات إدارتها نمط عجيب من الرعاية والاهتمام، ولا مجال للتوسع في ذلك بل هي لفتة للموازنة بما هو معروف من أن علم النفس الحديث لا يزيد عمره عن مائتي عام ..

هذا وإن الدراسات النفسية كانت تعتبر جزءا من علم الفلسفة عند اليونان، جريا على تفريع العلوم كلها عن شجرة الفلسفة، وهو ما مشى عليه ابن سينا ومن جاء بعده. على أنه طرأ فيما بعد مزج لطيف بين مقومات كل من علم النفوس والأخلاق والدين، وكان التصوف هو المحضن الملائم بعد أن جمع مختارات دينية وأخلاقية ونفسية وفلسفية، وظهر هذا في مؤلفات الغزالي المختلفة كإحياء علوم الدين، وكتاب الأربعين، وميزان العمل .. حتى اعتبر بحق: أول مؤسس لعلم النفس الإسلامي.

أما قبل ذلك فقد اشتملت على بعض المقولات رسائل إخوان الصفا كتطوير لما جاء عند الفلاسفة. وللغزالي نظرة حادة على انتماء علم النفس للفلسفة وهو يعتبر الريادة فيه للمتصوفة على مدى العصور إذ يقول في كتابه"المنقذ من الضلال"وفى وهو يستعرض معارف الفلاسفة وعلومهم:-

القدرة على مواجهة في الأزمات النفسية العادية التي تطرأ على الإنسان، ويرافقها الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويكون ذلك عادة بإشباع أكبر قدر من حاجاته الأساسية للأمن والحب وإثبات الذات والإنجاز والنجاح.

ومن المعايير الظاهرة لذلك أن تكون حياة الشخص النفسية خالية من الصراعات النفسية بين النوازع والرغبات أو الاتجاهات في مجال، ما من مجالات حياته، وخالية من العقد النفسية (أو الصراعات اللاشعورية) التي تعوق أداء النفس وكفايتها التفاعلية. وأصل مفهوم الصحة النفسية منبثق عما يسميه علماء الحياة:"تكيف الكائن الحي للبيئة المحيطة به"لكنه هنا (تكيف نفسي) يحكم على من لا يراعيه بأن هناك شكا في صحة حالته النفسية. وقد ازداد الاهتمام بالصحة النفسية حتى غدت علما شبه مستقل موضوعه الاهتمام برفاهية الإنسان وسعادته في جميع نواحي حياته وعلاقاته.

وسن هذا يتبين أن الصحة النفسية ليست هي مجرد الخلو من المرض، فإن هذا الخلو لا يستلزم قدرة الفرد على مواجهة الأزمات العادية، ولا يتبعه الشعور الإيجابي بالسعادة. كذلك ليست هي النتائج الفردية التي هي غاية للسعادة (الفردية) والكفاية، لأنها لابد أن تصطدم برغبات الآخرين ما لم تكن مشروطة بالسعادة الاجتماعية فإن مراعاة التعامل الاجتماعي واجبة بحيث تتحقق النتائج الفردية إلى جانب الأهداف الاجتماعية.

كذلك (أخيرا) لا يمكن اعتبار الصحة النفسية مجرد العمل لسعادة المجتمع، لأن هذا بدوره لا يحتم سعادة الفرد وكفايته إلا إذا لاحظنا التلازم بين نقص سعادة الأفراد ونقص السعادة للمجتمع بأسره .. وهذه الملاحظة شديدة الشبه بالتصوير للأثر الفردي والجماعي في القيام بفرائض الكفاية من حيث انبثاث النفع للجميع، أو شمول الإثم لهم كلهم، في حيز ينفرد المبادر للقيام به بالأجر وحسن الذكر ..

وقد حان الآن أن نستحضر من التراث المقابل لاصطلاح (الصحة النفسية) لدى المعنيين بذلك من القدماء، ولعلنا نجده في إحدى كلمتين هما (الرضا) و (الاعتدال) وهما كلمتان رددهما الغزالي كثيرا في دراساته النفسية، وهما متصلتان ببعضهما اتصالا وثيقا، أما (الرضا) فهو الانعكاس الداخلي للشخص السوي، وأما (الاعتدال) فهو المظهر الخارجي لسلوكه. وقد قرر الغزالي أن منشأ أكثر الفضائل والرذائل هو من ثلاث قوى: قوة التخيل، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، وشرح ما في كل منها من عون للنفس أو تثبيط لها. وبعد بيان طويل مليء بالتدليل والتمثيل والنظائر دعا إلى سلوك الاعتدال قائلا: والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها، ومهما أفرطت إحدى هذه القوى فكسرها بوسائل منها شغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل.

أما الرضا فهو نهاية المطاف لمراحل متدرجة تبدأ عند الغزالي بالابتهاج، فالاستبشار، فالارتياح، فالفرح، فالشرح، فالسرور، وأخيرا الرضا. ويفسر ابن تيمية المراد بالرضا بأنه شيئان: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، والرضا بالمصائب التي تحل به. وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت