الصفحة 2 من 11

من ذلك الرضا بالكفر والفسوق والعصيان مهما سيق ذلك مساق الحرص على التكيف مع البيئة والظروف المحيطة بالشخص (التوافق) بلغة علم النفس الحديث.

ومن الحقائق الإسلامية التي لا تدع مجالا لاتهام الإنسان واستزراعه في الشر والانحراف أن كل مولود يولد على الفطرة".. وفي الحديث القدسي"إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا .. ، وأن الإنسان مأمور بتزكية النفس ومحذر من تدنيسها (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (3) .

وهذه الأمراض النفسية لها مضاعفاتها المحققة في التصرف والسلوك السلبي والضار .. ولذا كان لابد من المبادرة إلى علاجها بشتى الوسائل .. وعن طبيعة المرض النفسي وحقيقته يقول ابن تيمية: مرض القلب نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته. فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب وتارة بالشهوة المحظورة .. ولهذا صنف (الخرائطي) كتاب"اعتلال القلوب"أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة .. و (مرض القلب) ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك، وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب. ثم يقول عن (الاعتدال) مرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال، كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم له(4) .

وعن (الرضا) نجد لدى عدد من الباحثين المعاصرين شبيه ما قرره الغزالي، إذ يربطون ربطا وثيقا بين (الرضا) وبين كل من الميل والاتجاه والتكيف والروح المعنوية العالية، وبعبارة أخرى: إن استجابة الشخص الأولى نتيجة الميل، وهذا الميل يولد الاتجاه الذي يؤدي بدوره إلى الرضا، والرضا يتفاعل مع البيئة فيستقر الفرد ويتكيف فإذا ما انتشر هذا التكيف أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية في الجماعة والتجمع.

وبعد فإنه لا يختلف الأمر قديما أو حديثا، في أن المرض هو ضد الصحة، وقد تميز الآن بالمفهوم المقابل لمفهوم الصحة النفسية بأية عبارة كانت ..

تقسيم الأمراض النفسية:-

إن ما يطلق عليه (الأمراض النفسية) ليس هو الوحيد في ميدان الأحوال الطارئة على فطرة الإنسان ووضعه السوي، فهناك زمر أخرى مشابهة في الدور من حيث إحداث الاختلال وإعدام التوافق أو التكيف .. ومن هنا يؤثر أكثر الكاتبين في دراساتهم أن يتطرقوا إلى (الأمراض العقلية) جنبا إلى جنب مع الأمراض النفسية، بل يضيفون إليهما ما يشكل (نقصا أو تخلفا عقليا) أو ما هو من قبيل الأمراض (السيكوسوماتية أي النفسجسمية) وهي أمراض ذات أعراض تنتج عزل حالات نفسية في حين تأخذ أشكالا بدنية، والاهتمام بها لتلافي تنازع الاختصاص بها لازدواج طبيعتها، وهذا فضلا عن زمرة أخرى لم يتناولها الطب النفسي وحده، بل كانت الغلبة في معالجتها للأخلاق والقانون أحيانا من مثل (انحرافات سمات الشخصية) كالجبن والغضب والخجل، أو (اضطرابات السلوك) كالكذب والسرقة، أو (اضطرابات العادات) لدى الناشئة، وهذا التوسع له ما يسوغه في ظل ما يلحظ من غموض وحيرة في حصر هذه الشرائح، توزيعها. كما أن بينها قاسما مشتركا يجمعها هو أن موضوعها هو النفس (التي سبق تعريفها بما يميزها عن كل من الروح والجسم) ، كما أنها كلها تجانب الفطرة والحالة السوية الغالبة في الإنسان.

على أن الأجدر بالحديث عنه كمرض يراد علاجه ويؤمل شفاؤه عن قرب، وفقا للأصول ذات الطبيعة النفسية هو ما يطلق عليه (العصاب) وهو كل خلل وظيفي في السلوك لا يكون- بالرغم من إزعاجه- سببا كافيا لإدخال المصاب به إلى مستشفى الأمراض العقلية، وذلك كالقلق والاكتئاب والوسواس والهستيريا.

وقد أنصف عد من الكاتبين في مشكلات الصحة النفسية حين تحاشوا رسم إطار عام لها أو مبادئ عامة مطلقة تصلح للتطبيق في النواحي الإيجابية للصحة النفسية. وأقاموا عذرهم في ذلك على أن المعلومات عن كثير من تلك المشكلات لا تزال غير كافية، وهو ما جعلهم يقنعون بالتوجيهات المبدئية إلى أن يحظى هذا العلم الحديث بطابع الحصر والتحديد .. كما أشاروا- للتأكيد على موانع الإقدام على تلك المحاولة- إلى التعقيد الذي تتسم به مشكلات الصحة النفسية (إذا أريد تتبعها في الميادين التطبيقية المختلفة) بل إن قاموس أكسفورد لعام 1970 يقول إن مفهوم الأمراض النفسية والعقلية قد اتسع في العقود الأخيرة ليشمل أكثر من حالات التعاسة العادية التي تصاحب حياة الإنسان. كما ذكر أن هناك اتجاها في بعض المجتمعات (التي تحاول التخلص من السمات الأولية للفقر) إلى إلحاق بعض مشاكل الحياة بمصطلح الأمراض النفسية.

ولا حاجة للتنويه في ضوء ما سبق إلى الدور الذي يقوم به العلاج الروحي قاطعا جهيزة هذا الغموض والتردد، والذي لا يزداد مع الأيام إلا شدة وإمعانا في الاختلاف.

وفيما يلي تسليط بعض الأضواء على أشهر الأمراض النفسية:-

ويسمى في لغة التراث النفسي ويعرف بأنه هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. وهذه الحالة النفسية المرضية تتميز بعدم الرضا وعدم التأكد وبالاضطراب، وتنجم عن الخوف لكنه خوف مما يمكن أن يقع غالبا، أو مما كان قد وقع، أكثر منه خوفا من أوضاع مخيفة واضحة.

والتسمية بالحصار تذكر بالحالة النفسية التي تتصف بها بعض الفئات الضعيفة التي تلوذ بالحياد بدلا من الانتماء واختيار جبهة معينة فتعيش في قلق بسبب هذا الموقف المضطرب. قال الله تعالى في شأن من لم تتح لهم ظروفهم أن يهاجروا ليعيشوا حياة دار الإسلام (أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم) (5) ويسمى هذا النوع (الحزن) بفتح الزاي، إذا كان خوفا لشر متوقع وله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت