وقد أطال ابن القيم الحديث في التكييف العقلي للإصابة بالعين وتعليل العلاج المأثور ليقرب ذلك إلى العلماء الطبيعيين في عصره .. ولا تزال كثير من الأمور تنكشف وتثبيت أشباه تلك المؤثرات غير المحسوسة في قضايا لم تدعم بنصوص غيبية واجبة التسليم بها ..
مما ثبت عن (أبقراط) أنه ذكر بعض علاجات الصرع ثم قال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. ونقل القاضي بدر الدين الشبلي. عننه قوله أيضا في شأن بعض المياه الطبية:"إنه ينفع من الصرع، لست أعني الصرع الذي يعالجه أصحاب الهياكل، وإنما أعنى الصرع الذي تعالجه الأطباء"فأثبت نوعا من الصرع لا ينجع فيه العلاج الطبي المعهود لهذه العلة، ولا يزال هذا النوع مائلا للعيان، وإن كان الطب الحديث لا يأخذ بهذا التنويع. مع المشهود من استعصاء بعض الصرع عن العلاج وليس هذا استمرارا للتطبيقات في العلل الأخرى، لأن الحال مختلف فتلك العلل يدخل اللبس في تشخيصها فلا يوقف على الدواء المطابق للداء، وسنة الله التي أشار إليها الحديث أنه"إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله"وكثير من حالات الصرع المستعصي، يحصل اليقين بوجود الداء ومع ذلك لا يجدي فيه الدواء الناجع في أمثال تلك الحالات مما يدل على أنه حينئذ مرض غير عضوي.
ولهذا النوع من الصرع في التراث تفسير ثابت بالنصوص، فلا يهمنا بعدئذ أن يستنكره البعض أو يستغربوه، وربما بلغ الحال التنديد به في غمرة ما يلتبس لديهم من الخلط بين صور مزيفة من علاجه وبين صور مرسومة متبعة.
ولا يتسع آخر المقام في هذا البحث إلا لبيان ما هناك من ضوابط لدى المنوهين به مع الإشارة لموضع الشاهد من النصوص الشرعية المنقولة وبعض التطبيقات:
أ- الأصل في المرض أي مرض أن يبحث عن دوائه في الأسباب الكونية الظاهرة المقدور على فهمها وتفسيرها، ولذا لا يصار إلى البحث عن علاج آخر إلا عند العجز وسنرى أن الحالات المنقولة في السنة كلها فيها الإشارة إلى أن ما بهؤلاء المرضى قد أعيا الأطباء علاجه .. على أنه لا ينافي هذا أن يحصل (الاقتران) بين العلاج المادي والروحي الذي لا يتنافى اجتماعه مع الأخذ بالأسباب الظاهرة.
ذلك أن لالتجاء إلى الله وسؤاله شفاء مريض مصاب بمرض غير معروف لا يقتصر على حالة العجز عن تحقيق شفائه .. بل إن ذلك الالتجاء يرافق عملية العلاج للمرض سواء حصل الأمل بشفائه أو العجز عنه .. إنما لا يسوغ الاقتصار على العلاج الروحي ويترك الأخذ بالأسباب الأخرى التي وضعها الله تعالى في صورة قوانين طبيعية، وجاءت الشريعة بالتأكيد على أن الأخذ بها لا ينافي التوكل على الله بل إن عدم أخذها إنما هو عجز وتواكل منهي عنهما شرعا، ومستنكران عقلا وطبعا.
ب- يدور العلاج الروحي لهذا النوع من الصرع على قراءة آية الكرسي والمعوذتين والدعاء والصلاة ونحو ذلك مما يقوي الإيمان والنفس، ويجتنب كل من المعالج والمريض الذنوب التي بها كان التسلط عليه.
ج- الإقدام عن، بعض وسائل العلاج الروحي (الزائدة عن الدعاء والتعوذ) من غلظة وشدة وانتهار وتهديد من المعالج موجهة في الظاهر للمريض لا يحل إلا بعد أن يثبت أنه لا علاج له في الطب، أي حتى يستيقن بأن سبب هذا المرض غير عضوي، وأن يكون المعالج موقنا أيضا بسلامة تصرفه وأن تكون عاقبة ذلك مطابقة لما رآه، وإلا لم يكن بمنجاة من القصاص والتعزير. ولذا جاء في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح أنه قال له ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي r فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. قال بعض الشراح: الظاهر أن ما بهذه المرأة كان من صرع الأخلاط، وشفاؤه طبي، فخيرها النبي r بين الدعاء لها للشفاء منه (على سبيل الخوارق للعادات والأسباب الكونية) وبين أن تصبر وتسعى للبحث عن علاجه بالسبل الظاهرة.
وإلى جانب هذا هناك عدة حالات عالجها النبي r علاجا روحيا خاصا، أخرج إحداها أحمد وأبو داود والطبراني من رواية أم أبان بنت الوازع أن جدها انطلق إلى النبي بابن له- أو بابن أخت- وأن هذا المريض أقبل بعدئذ ينظر نظر الصحيح ليس، بنظر الأول"وفي حالة أخرى أخرجها الدارمي وابن عساكر من رواية صحابيين هما أسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله وهو أشهر من روى القصة الكاملة لحج النبي، وفي هذه الرواية أنه r في طريق حجته اعترضته امرأة تحمل صبيا لها ما زال به الصرع، وإنها رجعت به بعدئذ ولم يعد به شيء تكرهه، وذكر هؤلاء الرواة أنه r كان يقول في علاجه مخاطبا من تسلط من شرار الجن: اخرج عدو الله، داعيا للمريض معوذا إياه. كما روى المؤرخون في سيرة الإمام أحمد بن حنبل قيامه بنحو ذلك في جارية أرسل بها الخليفة المتوكل وشفائها بدعاء أحمد وتسببه في دفع ذلك الإيذاء. وإنها عاودها ذلك بعد موته فبعث بها المتوكل إلى أبي بكر المروزي صاحب الإمام أحمد فلم يفلح تصرفه في زوال ذلك التأثير. ويشير ابن تيمية وتلامذته، كابن القيم وابن مفلح والبدر الشبلي إلى حوادث عالجها ابن تيمية وشهد بعضها ابن القيم عيانا، وعلق هؤلاء حصول الأثر على ما يتصف به المعالج من صلاح وقوة نفس والتزام بالشرع."
د- ومدار إثبات هذا النوع من الصرع غير العضوي اعتقاد وجود الجن ونحن جميعا لا حاجة بنا إلى الكلام عن ثبوت الجن وتصرفهم، ولكن ثار جدل من قديم في مقدرتهم على إيذاء البشر، وفي الكيفية التي يحدث بها هذا الإيذاء، ولم يقتصر إثبات وجودهم على أهل الأديان بل ذهب أكابر الفلاسفة والأطباء إلى الإقرار بهم، ومن أنكر ذلك وليس معه حجة يعتمد عليها تدل على النفي معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا من جهة الجن، وإن كان قد علم من طبه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك، قال r:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". هذا بعض ما قاله المحدث الفقيه القاضي بدر الدين الشبلي في كتابه"آكام المركان في أحكام الجان"وأورد فيه من الأدلة والأخبار والبيانات التي، نقلها عن عدد جم من العلماء منهم ابن تيمية في شأن الأثر النفسي الذي قد يلحق بالشخص من إيذاء الجن، وبين سبل العلاج الروحي من ذلك بشتى