ويربط ابز تيمية بين المحبة وكل من الخوف والرجاء بعد أن يجعل المحبة أصل كل عمل ديني قائلا: الخوف والرجاء وغيرهما استلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (13) ورحمته اسم جامع، لكل خير، وعذابه اسم جامع لكل شر.
والذي يجب أن لا نهمله هو العلاج الروحي الديني بمعناه الغيبي غير المحسوس بالإضافة إلى الاهتمام الملحوظ بالعلاج النفسي الذي أخضع للدراسة على صعيد العلم والتجربة أحيانا .. وبذلك نجمع في العلاج بين الأخذ بالأسباب واللجوء إلى خالقها (وإذا مرضت فهو يشفين) (13) .
والتأثير- كما يقول ابن القيم- غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير تارة يكون بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل ..
وهذه الأنواع تأخذ بنصيب متفاوت قربا أو بعدا من المادة المحسوسة الخاضعة للتجريب والضبط بقاعدة. ويهمنا منها ما جاءت في شأنه نصوص مثبتة وتطبيقات شرعية صحيحة النقل.
والغرض من استعراضها أن تؤخذ في الاعتبار سواء احتيج إلى العمل بها أم لا، فإن من الغبن والخيانة أن تطوى مثل هذه الأساليب أو يتنكر لها لمجرد مجافاتها لما يروج في عصر أو بيئة، أو لما يمتد من تأثير لمبادئ عاشت في قطاعات غير إسلامية.
ومن الواضح أن العمل بالشيء أو تركه أمر آخر غير التصديق والجحود فتارك العمل الواجب لا يجني إلا على نفسه، أما من يتمادى حتى ينكر الحقيقة الثابتة فإنه يريد أن يجني عليها وعلى كان من يعمل بها .. ولذلك يكون مدانا بالمعيار الذي توزن به هذه الحقيقة وفي نظر جميع من يعتقد ثبوتها عمل بها أولم يعمل.
على أننا حين نقرر تميز العلاج الروحي ونشير إلى بعض الصور الغيبية لا نلتزم ولا نقبل من صوره إلا ما ثبتت شرعيته بالنصوص الصحيحة بعيدا عن الخرافات والأوهام، وذلك منهج واضح، لأن الإسلام قد وضع الأسس الكفيلة بإبعاد صور الدجل والاستغلال التي يخترعها كثيرون ممن يستغلون حال ضعف المريض واستسلامه لكل من يلوح له بالعلاج .. أن تسليط الأضواء على المنهج الصحيح كفيل بإزهاق الباطل حتى يذهب الزبد جفاء وبإحقاق الحق حتى يبقى، وهو ما كان قائما على أدعية وتعوذات مشروعة هادفة، ولابد أن يؤدي هذا إلى دحض الشوائب التي علقت بهذا العلاج بسبب الغموض الذي يستغله بعض المشعوذين.
إن ما جاء في الطب النبوي من علاجات روحية في المرض والوجع واللدغة والإصابة بالعين مما صحت به الأحاديث كله قائم على الدعاء مباشرة دون وسيط بأن يلهم الإنسان سواء السبيل للوصول إلى العلاج الناجع (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله) . وهذا الدعاء يصدر من المريض نفسه أو ممن يتوسم فيه استجابة دعائه بعيدا عن حمل التمائم والحجب.
لا تخفي صلة الإصابة بالعين بما يطرأ على النفس من انحراف غير جسماني وإن ذلك لا ينشأ عن تصرف مادي يلحق به، وحين تتغير حالة البدن فإن ذلك لا يخرج عن الأمراض النفسية. والإصابة بالعين أصلها من الحسد. ولكن ليس كل- حاسد عائنا، وكما يقول ابن القيم: لا ينكر تأثير الحاسد بإيذاء المحسود إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، إذ يلحق بالمحسود من الأذى المعنوي ثم المادي بسبب ما تتكيف به نفس الحاسد من كيفية خبيثة فتؤثر بتلك الخاصية. وتقوم الإصابة بالعين على الرؤية الحاسدة غالبا، وإن كانت نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على العين فقد يعتمد على الوصال.
وأولى المراحل: إعجاب العائن بالشيء، ثم إتباعه بتوجه نفسه على كيفية خبيثة تهدف للإضرار به، ثم تستعين على ذلك بالنظر إلى الشخص المعين.
ومن الأحاديث الكثيرة في العين الحديث المروى في صحيح مسلم"العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"كما ثبت عنه (r) الترخيص في الرقية من الحمة (لسعة العقرب) والغين، والنملة (قروح تخرج من الجنب) .
وعلاج العين منه نوع وقائي يلجأ إليه المتعرض للإصابة، كما يدعي العائن إلى قوله لوقاية الآخرين من لحوق الذي يخافه عليهم، وهذا العلاج الوقائي هو (التبريك) أي الدعاء بالبركة بمثل قوله: اللهم بارك عليه. وكذلك استحضار الربط بين حدوث النعمة وسبق المشيئة الإلهية بأن يقول"ما شاء الله لا قوة إلا بالله)."
وكذلك الدعاء الذي أخرجه مسلم في صحيحه والذي تعلمه (r) من جبريل"باسم الله أرقيك من كل دار يؤذيك، من شر كل حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك"مع تعوذات قرآنية كآية الكرسي والفاتحة والمعوذتين.
أما العلاج للاستشفاء من العين فهو كما ورد في الأحاديث الصحيحة أن يؤمر العائن بالتوضؤ أو الاغتسال، ثم يغتسل منه المعين، وفي سنن أبي داود واقعة حصلت في عهده r. وقد اهتم علماء السنة وخاصة الإمام الزهري بوصف ذلك بالتفصيل.