الصفحة 6 من 11

وفي أبحاث المؤتمر الثاني جملة صالحة عن أثر الإيمان والعبادات في توفير الصحة النفسية.

ثم يأتي العلاج الوقائي التالي وهو استحضار الكمال في صفات الله وأفعاله الجارية في كونه وخلقه، فهو منزه عن العبث والظلم ولله في خلقه شئون وحكم حكيمة لا يضرها عدم إدراكنا لها .. وحسبنا الاعتقاد الجازم بتلك المسلمات العليا والتي تتضمن على ما ساقه ابن القيم أيضا:

د- تنزيه الله تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك.

هـ- واعتراف العبد بأنه هو الظالم لنفسه كلما كان في المصيبة سمة العقاب.

ثم يأتي بعدئذ ما هو توابع لهذه العقيدة الواضحة الصافية، وذلك من مثل:

و- إقرار العبد لله بالرجاء، وهذا يقطع دابر اليأس القاتل والقلق والاكتئاب

.. ومن كان الخير كله بيده فخليق بالإنسان تحقيق الرجاء برحمته، وتفويض الأمر إليه والتضرع بأن يصلح له شأنه كله ولا يكله إلى نفسه.

ز- تحقيق التوكل على الله والتفويض إليه والاعتراف بأن ناصية الإنسان في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.

ولهذه القناعات القلبية وسائل من كسب اللسان، والمناجاة المباشرة بين المخلوق والخالق تعين على تحقيق النتائج، بما تفصح عنه من مكنون العقيدة ومضمر القناعات السابقة، وأهم هذه العلاجات:

ح- الإكثار مزج ترداد (لا حول ولا قوة إلا بالله) مع استشعار المبدأين اللذين تتضمنهما وهما: البراءة من الحول الذاتي، فلا حائل يقي من لحوق الشر والضرر إلا بالله، والبراءة من القوة بمعنى المكنة الذاتية على جلب الخير فلا سبيل إليها إلا بالله، ومما يجدر التنويه به هنا أن كلمة (الحوقلة) هذه للاستعانة بالله، وليست للاسترجاع من المصيبة- كما يتوهم، لذا هي علاج إيجابي. وللتصبر على المصيبة العبارة الخاصة المعروفة.

ط- التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن تلك الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب.

ي- التوبة، باعتبارها تصحيحا للمواقف والتصرفات الصادرة من الشخص سواء كانت في حق الله، أو حق العباد وهي إذا كانت توبة نصوحا تزيل كل ما يبدد الطاقة الروحية للشخص، وتقويه تجاه الضغوط والنكبات النفسية التي يتعرض لها من محاسبة الذات. ولا تخفى صلة التوبة بالتخلص من عقدة الذنب ودفعها الإنسان لاستئناف حياة ومواقف فضلى.

ك- الاستغفار، وهو رفع لشعار التوبة، ومتابعة دائبة لها، وتعزيز لافتقار الإنسان إلى ربه ليكفر عنه خطاياه ويزيل عن نفسه شبحها الذي يشده لليأس والقنوط والضعف والسقوط.

ل- تكوين الشخصية الإسلامية المتبصرة التي تأخذ وتدع ولا يكون الفرد فيها (إمعة) "لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم"، وهذا يدفع عن الإنسان خطر الانسياق والاستخذاء في مواجهة ما يسود في بيئة ما من أفكار غير سوية أو ما يتعرض له من تحريض على الشر، وتسويل من النفس للإقدام على مالا تحمد عقباه من مواقف.

م- الاستعانة بلله سبحانه بالدعاء:

والدعاء لون هام من ألوان العلاج للأمراض النفسية، وهو علاج روحي (إلهي) بالتعبير المستخدم قديما، فضلا عن كونه مظهرا عباديا بل هو مخ العبادة وخلاصتها.

والدعاء ليس- كما يخيل للبعض- أسلوبا نفسيا لا يقصد لذاته بل لأثره الإيحائي، بل هو حقيقة قائمة عام مناجاة العبد لخالقه والاستعانة به في كل من حال الصحة وحال المرض (إياك نعبد وإياك نستعين) (8) فلا صحة للزج بالدعاء ضمن وسائل (التنفيس) أو (الإيحاء) فليست في ذلك إلا طمس الحقيقة والغفلة عن الطبيعة العبادية للدعاء.

ن- الصلاة:

الصلاة علاج شامل، بل صيدلية ملأى بالعقاقير الروحية لشتى أمراض النفس، وهي ليست علاجا فقط، بل مصدر قوة لنفسه تجعله آمنا من المعاناة، مصداق ذلك قوله النبي (r) :"أرحنا بها يابلال".

وقد عد ابن القيم ما تكون الصلاة عونا على تحصيله من مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدها مما لا داعي لسرده، ومداره ما في، الصلاة من شرح الصدور وشفاء القلوب بلذة المناجاة والراحة النفسية باللجوء إلى الله في تأكيد العبودية له وتحقيق الاستعانة به. على أن ابن القيم لم يكتف بما بينه للمسلم من شأن الصلاة، بل نقل الكلام إلى من اتصف بالزندقة فلم يقم وزنا للأديان والعبادة المتقرب بها والمتوصل بها إلى راحة النفس. فدعا هؤلاء للتأمل فيما تستتبعه الصلاة من حركات فيها تقوية للأعضاء وللنفس مما يقوى طبيعة الجسم ويدفع عنه الألم ثم قال: لكن داء الزندقة والأعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى! ... ولنا ألا نتفق مع رأي من يرى في الصلاة تحقيقا (للاسترخاء) .. فإنه معنى لا يفي بمقاصد الصلاة الإيجابية في النفس والجسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت