معصوم يخضع للإختبار لإثبات توافقه مع مجمل القرآن والسنة من جهة، ولتحصيل إجماع الأمة عليه من جهة أخرى. فالجهد الإبداعى لأى فريق من الأمة سواء في صياغة وصفة إرشادية أو في تطبيقها يظل مجرد رأى ينادى به هذا الفريق من جانبه بخصوص الشريعة الإسلامية، يتعين على من طرحوه السعى لتعميمه، بتحصيل قناعة المسلمين في كل أرجاء العالم بصحته، أو العزوف عنه وتغييره فيما لو تمسك الرأى العالمى الإسلامى، في الجدل الذى يدور بشأنه، بمعارضته بقوة [1] .
وباستثناء اللحظة التاريخية الراهنة، كانت الأمة طيلة تاريخها كيانا واحدا متماسكا ومتراصا، على مستوى خضوعها بكاملها لحكم الشريعة الإسلامية الواحدة. أما على الصعيد السياسى فلم تكن الأمة موحدة في كيان سيادى واحد إلا في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموى (من عام 10 هـ حتى عام 131 هـ / 632 - 749 م) . ثم انقسمت عبر تاريخها على مدى ما يربو على اثنى عشر قرنا بين وحدات سياسية متعددة. وكانت وحدة التشريع هى الأقوى، ومنه استمد العالم الإسلامى مؤسساته ونظامه الأخلاقى وأسلوب حياته وثقافته. وعلى تلك الوحدة في التشريع تربى المسلمون من كل الأجناس، وانصهروا في بوتقة عقيدية واحدة، وفى أخوة واحدة ملتزمة بنفس المبادئ العليا. وصمدت وحدة الأمة في التشريعات الإسلامية أمام كل مخاطر التجزئة، بما فيها الغزو الخارجى، على مدى أربعة عشر قرنا من التاريخ الإسلامى.
ويمكن القول بحق، بأن الشريعة الإسلامية هى رأس حربة الوحدة الإسلامية عبر العالم، وعمودها الفقرى، في آن واحد. وهى الحقيقة التى تجعل الأمة جسدا واحدا من
(1) يبدو أن هذا هو السبيل الوحيد للجمع بين الاجتهاد الإبداعى الدينامى، وبين الإجماع والتوافق كغاية مرغوب فيها بذات الدرجة. فكل من الاجتهاد والإجماع قيمة تشكل جزءا لا يتجزأ من الرؤية الكلية الإسلامية ونظامها المعيارى.