الأخوة العالمية الحقة، الانتظام في سلكها مفتوح لكل البشر، إما بالإمكان بحكم المولد، وإما بالفعل بقرار شخصى أخلاقى حر [1] .
ج- طبيعة وحدة الأمة:
(1) وحدة الأمة شاملة: لا يحتاج أحد، فيما نأمل، إلى دليل على أن الإسلام نظام حياة شامل. فالإسلام لا يقسم الحياة الدنيا إلى مقدس ودنيوى مدنس. ولا يقسم الحياة إلى دينى وعلمانى. ولا يقسم البشر إلى رجال دين وعوام. بل يرى أن كل تلك التقسيمات مصطنعة وغير طبيعية وعديمة المنطق. فكل هذه التقسيمات نشأت تاريخيا ضمن تقاليد غير إسلامية، وهى تتعلق بالمسيحية في المقام الأول، بسبب العداء المستحكم بين السيد والعبد في التقاليد الرومانية الإمبراطورية، التى ولدت المسيحية، وتشكلت، في ظلها.
فالإسلام وثيق الصلة بحق بفلسفة الدين، أى بأسمى المبادئ الماورائية، جنبا إلى جنب مع أدق تفصيلات مجريات الحياة الشخصية اليومية. ونقرأ في محكم التنزيل إثباتا لثنائية الوجود الخالق المتعالى والمخلوق الفعلى، و لفطرة الإنسان ومصيره، ولحريته ومسؤوليته، وللطابع الوسائلى لكافة المخلوقات وقابليتها للتطويع، ولانتظام الكون، ولوحدة الحق والقيمة. ونقرأ في القرآن أيضا: الأمر بالرد على التحية بأحسن منها أو بمثلها على الأقل، ("وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا") [2] ، والأمر بالاستئذان لدخول بيوت الغير، ("يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" [3] ، والأمر بخفض الصوت عند مخاطبة الآخرين ("وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ"
(1) يمكن المضاهاة بين الدور الإدماجى للشريعة الإسلامية، وبين دور تشريعات صولون في تحقيق اللحمة بين الجماعات الإغريقية التى كانت متفرقة حول بحر إيجة، وجمعها في وحدة ثقافية واحدة.
(2) النساء:86.
(3) النور: 27 - 28.