الصفحة 213 من 334

المقابل، لم تقم صفة الشمول في الإسلام على التضحية بالمحتوى الملموس، بل على العكس تناغمت معه بوجود تشريعات إرشادية محددة لكل المرغوبات الأخلاقية. وحينما يتعلق النشاط الإنسانى بمجالات يصعب حكمها بالقانون، نجد أقوالا مأثورة تعمل كموجهات له بكل أبعاده وأدق جوانبه.

وأمثلة الرؤى الشاملة عديمة المضمون كثيرة. فالمفكر الهندوسى المتأمل يعنى بكلمة (أم om ) كل شئ في هذه الحياة الدنيا وما وراءها. ويبارى المتصوف المسلم المتأمل، ذاك المفكر الهندوسى بكلمة (هو HU ) . ومن اللعب التى تروق للفلاسفة الإرتقاء بتجريداتهم إلى مستوى الصيغة الواحدة الشاملة للكل. إلا أن الحقيقة المحزنة في هذا الصدد أن البشر وجدوا في ظل هذا المصطلح المفتاحى الأحادى المقطع، متسعا للتوزع على طول متصل يبدأ بحياة الطهر، وينتهى بحياة الرزيلة والوثنية. وكل من الهندوس والمتصوفة يعرف أن المصطلح الذى يطرحه لا يمكن أن يكفل وقف انحراف البشر عن جادة السبيل.

وبالمثل، بينما كان المستهدف الرئيس لعيسى عليه السلام هو تحطيم نزعة التقيد الحرفى المتحجر بنصوص الشريعة، أو بالأحرى حرفية اليهود وتحجرهم في فهم الشريعة، واعتبارهم ما هو مجرد بطبيعته ماديا، فإن حوارييه اختاروا أن يحولوا رؤيته الأخلاقية و المنزلة من عند الله في أساسها، إلى نظام مطلق، الفضيلة كلها في ظله شأن شخصى متعلق بضمير الإنسان. ونصبوا كلمة (المحبة) مكان الرمز الهندوسى الذى حشد فيه المفكر الهندوسى الحقيقة الهندوسية الماورائية. وضمن المسيحيون كل شئ في كلمة المحبة. وصارت مقولة القديس أوغسطين:"أحب الله، وافعل ما تشاء"قاعدة سلوكية يمكن أن يستخدمها الإنسان في تبرير كل ما يحلو له.

ومن المسلم به أن الله تعالى عليم ببواطن ما حدث في تاريخ الأديان، وهو العليم بالشراك التى تواجه الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ومطلع على مواطن الضعف التى قد تعترى تدينه، كما تشهد بذلك آيات كمثيرة بالقرآن الكريم. ومن هنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت