فإن الأمر الطبيعى الوحيد، أن الله تعالى لم يمن على البشرية في الإسلام، الذى جاء لإصلاح ما لحق بالدين عبر التاريخ، بتزويدها بمبدأ عام واحد أو بالمزيد من المبادئ العامة فحسب، بل بمنحها محتوى الفضيلة ومادتها المحددة، وما يتعلق به من أوامر ونواه. ووضع الإسلام على كاهل الإنسان المكلف حالة عدم وجود نص بخصوص محتوى معين، أن ينقب بنفسه عن المبدأ الحاكم له، ويرسيه.
ويصير الإسلام بجمعه بين الشمول والمحتوى، بكل جلاء، وحدة متراصة كلية التناغم. فهو يسعى إلى بناء نظام واحد، كامل بكل تفصيلاته، منظم لكل نواحى الحياة الإنسانية من المهد إلى اللحد. ويأخذ غير المسلمين على الشريعة كونها شاملة [1] . وهم محقون في وصفهم للشريعة بهذه الصفة. فجمع الإسلام بين الشمول والمحتوى أمر لا جدال فيه. إلا أن هذه السمة تمثل العلامة الفارقة للإسلام ووجه تفرده وتميزه.
(3) أمة دينامية: النظام القائم على وحدة متراصة وتناغم كلى، حصرى ومغلق، بحكم تعريفه، تجاه المواد الغريبة عنه أو الجديدة. هذا هو لب نقد المستشرقين لشمول الشريعة ومحتواها. فالشريعة، بزعمهم، بوصفها نظاما كاملا وتاما يمكن أن تحقق لحظة عظيمة بحق في تاريخها لا تقبل أن تتكرر، هى لحظة وصولها إلى الكمال. وبمجرد الوصول إلى تلك الذروة، لا يعود أمامها غير أن تأخذ في الانحطاط، لأن التجدد الذاتى الأبدى سيتجاوزها. فالنظام الكلى التناغم لا يستطيع أن يتغير ليتكيف مع المستجدات، ويجد نفسه بالضرورة معارضا للتجديد، وسينظر إلى أى تغيير على أنه بدعة. وهذا النقد صحيح بدوره، ولكنه ليس نقدا للشريعة، بل للفقهاء المسلمين ومقلديهم الذين أعاقوا عن عمد قابلية الشريعة للتطور واستيعاب المستجدات. والحق أن أسلافنا في العصور الوسطى هم الذين ساروا بالإسلام على هذا الطريق، لما أغلقوا باب الإجتهاد، وأعلنوا أن الإجماع هو إجماع السلف الأول، الصحابة ثم التابعين، ومن ثم لا مجال للتجديد. وبوسعنا الآن أن