الصفحة 215 من 334

نتعاطف مع رؤيتهم في ضوء حاجة زمانهم، ونلتمس لهم العذر. إلا أنه من غير المعقول أن يسير المسلم المعاصر على دربهم بخصوص موقفهم من الإجتهاد.

فلقد كان الأصوليون الذين بلوروا أحكام الشريعة في العصور الوسطى، ووصلوا بها إلى أعلى مستوى من الكمال، حريصون على أن يضمنوا قواعدهم أدق آلية لتجديد الشريعة لنفسها بنفسها [1] . وقدموا للمسلمين كلا من: التشريع الكامل، وآليات ووسائل تجديده، وجعله أكثر كمالا، أو الحفاظ على كماله وصلاحيته لكل مكان وزمان. وباستثناء محاولات معدودات في العصر الحديث، لم يستفد المسلمون من آلية التجديد الذاتى للشريعة (الإجتهاد، والإجماع، والإستصحاب والإحسان والمصالح المرسلة، وما شكالها) . ولسنا هنا في مقام تحليل تلك الآلية. فقط يلزمنا التدقيق في الأساس النظرى الذى تستند إليه.

فالإسلام هو دين الوسطية. يقول الله تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [2] . فالإسلام جامع بين العام والخاص، والكلى والمحدد، والشكل والمضمون، والواحد الكلى المتناغم والتعددية، والفردى والفريد، وهذا هو مصدر قوته. وهو يزودنا بالمبدأ العام، مقرونا بالسماح لنا بالخروج عليه عند الضرورة الملجئة، أى حينما نكون أمام التضحية بقيمة أعلى، بذات السعى لتحصيل القيمة المتضمنة في ذلك المبدأ العام. فالنهى القرآنى عن السرقة والقتل وأكل لحم الخنزير، والأمر القرآنى بالصلاة والصوم وتوقير الوالدين وحتى بالحج، كل هذه النواهى والأوامر يبيح الإسلام الخروج عليها، فيما لو كان الوفاء بها سيؤدى إلى انتهاك قيمة إسلامية

(1) بوسع القارئ الإطلاع على تفصيلات آلية التجديد الذاتى في أى كتاب خاص بأصول الفقه تحت عناوين: الإجتهاد والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

(2) البقرة:143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت