الصفحة 281 من 334

الحكام والمحكومين بهدف الاحتفاظ بثرائهم لأنفسهم، وحرمان غيرهم من الوصول إليه [1] . وهذه أنانية خالصة تمارسها الجماعة ككل.

ولقد كانت هذه هى الظاهرة الأكثر شيوعا على مدى التاريخ الإنسانى. ولهذه الظاهرة شواهد رهيبة في العصر الحالى، عصر الاستعمار بشكليه التقليدى والجديد، والإمبريالية. فلقد أجاز الأوربيون لأنفسهم تحقيق ارتفاع كبير في مستوى معيشتهم على حساب العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية الأفرو أسيوية. وحذت حذوهم الولايات المتحدة في وقت لاحق. وانقسم العالم إلى شمال ثرى، وجنوب فقير. وبالإستغلال الاستعمارى لأسيا وإفريقيا على مدى ما يزيد على قرن من الزمان، كونت البلدان الغربية أرصدة رأسمالية ضخمة تكفى لتمكينها من التنمية الصناعية. وما كان من المتصور حدوث الثورة التقنية الغربية الراهنة، إلا بعرق ملايين من الأفارقة والأسيويين في المزارع والمناجم، وإلا بنزوح حمولة ما لا يحصى من السفن من الثروات الأفرو آسيوية من المواد الخام والمعادن والمواد شبه المصنعة إلى أوربا وأمريكا [2] .

وهذا كله مناقض للإسلام على طول الخط، حيث أن المبدأ الأخلاقى الإسلامى الأول يقضى بحق كل إنسان في ثمرة عمله. يقول الله تعالى:"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" [3] . وحرمان أى إنسان مما يستحقه، عدوان يبغضه الله تعالى، وظلم

(1) من أمثلة ذلك: الرسوم والضرائب الجمركية وقوانين الهجرة المعمول بها في الدول القومية في العصر الحديث. فالأيدلوجيات القومية لتلك الدول جميعا بلا استثناء، لا توجه كل منها إلى جعل الأولوية لرفاهية شعبها على رفاهية بقية الجنس البشرى فحسب، بل لتحقيق رفاهية شعبها على حساب الشعوب الأخرى.

(3) البقرة:286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت