الصفحة 282 من 334

عظيم يستوجب توبة المعتدى وتعويض الضحية، وإلا فإن لعنة الله وعقابه تحل عليه في الدنيا وفى الآخرة. وقدرة الله لا حدود لها، وقد تنزل مثل تلك العقوبة بالمذنب بطرق شتى. إلا أن الله تعالى يسبب الأسباب ويرتب عليها الآثار المناسبة لها. فالعدوان والظلم يولدان الكراهية والسخط، و يمثلان خميرة لثورات عاتية، تعصف حين تنفجر بمقترفى الظلم وبمؤسساتهم، وتبدد كل ما صنعته أيديهم، وتزيلهم من الوجود. ولقد شهد القرن العشرين العديد من ثورات المعدمين ضد مستغليهم من الرأسماليين. ومن المؤكد أن القرن الواحد والعشرين سيشهد المزيد من تلك الثورات.

ولا تختلف تلك السنن العمرانية كثيرا عن تلك التى يتحدث عنها المؤرخون بالنسبة للسنن الإلهية المتعلقة بالطبيعة. فحينما تحقق شريحة من المجتمع الثراء، وتدفعها أنانيتها كجماعة إلى الإنعزال عن جيرانها،، لكى تحتفظ بثرائها لنفسها، يبدأ العد التنازلى لدمارها، سواء حدث ذلك داخل مجتمع معين، أو بين عدة مجتمعات، أو على صعيد قارى أو عالمى. وواقع الأمر، أنه إن غاب عن الوعى فعل هذا القانون العمرانى في الظاهر في الماضى، حينما كانت وسائل المواصلات بطيئة، وبدا أنه كان بوسع بعض المجتمعات أن تحتفظ بثرائها بمعزل عن غيرها من المجتمعات، فإن الوضع قد تغير الآن.

فلقد أصبحت علاقة الاعتماد المتبادل بين اقتصاديات الدول، مناظرة لتلك القائمة بين مختلف الجماعات والطبقات داخل كل منها. ولم يعد بوسع أى منها أن يحتفظ بثرائه واستقلاله بمعزل عن غيره لأى فترة من الزمن. ولقد صنع مؤرخون من أمثال عبد الرحمن بن خلدون، وأوسوالد سبنجلر وأرنولد يوينبى ما حققوه من شهرة بتسليط الضوء على هذا القانون البسيط للحياة الإنسانية الذى كان يعرفه كل إنسان عامى في بلاد الرافدين في العصور القديمة، ولكن من منطلق دينى كونى. يقول الله تعالى:"وَإِذَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت