الصفحة 287 من 334

البادية، يجمعون حطب الوقود، ويحملونه على ظهورهم إلى المدينة ليبيعوه. وصنعوا لأنفسهم، شيئا فشيئا، مكانا لائقا في عالم الأعمال [1] .

فالإسلام يدعو إلى الوصول بالإنتاج إلى أقصى حد ممكن، وينتظر من كل إنسان أن ينتج أكثر مما يستهلك، وأن يقدم خدمات أكثر مما يحصل عليه من خدمات، وأن يحرص على أن ينتهى كشف حسابه في نهاية حياته- رجلا كان أم امرأة - بربح صاف، في ميزان عمله، يمثل المساهمة التى قدمها للخليقة. وسيأمر الله تعالى كل إنسان يوم القيامة بقراءة كتاب أعماله وتبرير ما فعله في حياته على الأرض. يقول الله تعالى:"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا {13} اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبا" [2] . ولن يتقبل سبحانه وتعالى بقبول حسن بالمرة من لا تخوله ثمرة عمله في الدنيا لأن يشهد على نفسه بأكثر من عبارة: جئت خالى الوفاض. بل قد يبوء المفلس الخاسر يوم القيامة، بسخط من الله فيما لو كان الدافع الداخلى وراء عدم تقديمه إضافة ما إلى الخليقة هو الوقوع في أسر الظن السئ والأنانية والكسل والشكوكية، أو الوقوع في الغرور الأكبر بالاعتقاد بالدينونة بحياته للدهر.

وثمة فريق آخر من البشر، تسمح لهم درجة ثرائهم باعتزال الإنتاج مبكرا، أو بعدم الانخراط بأنفسهم في عملية الإنتاج مطلقا، اعتمادا على ميراث وفير آل إليهم من الأبوين أو من أولى الأرحام. وحيثما يقرر مثل هؤلاء الأفراد الانسحاب من النشاط الإنتاجى، فإنهم يصيرون أهلا للإدانة في نظر الإسلام. فالحق أن الإسلام لا يرخص لهم في القعود عن الإنتاج دون عقاب. أما عقوبة هؤلاء في الدنيا فهى إخضاع رأس مالهم

(1) محمد حسين هيكل، حياة محمد، مرجع سابق، ص 177 - 187.

(2) الإسراء:13 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت