هذا لا يجب أن يفهم على أن ذلك الفن مجرد محاكاة فوتوغرافية ساذجة للطبيعة، بل هو بالأحرى محاولة للتمثل الحسى لفكرة قبلية، تسعى الطبيعة إلى تجسيدها على الدوام، ولكنها لاتنجح في تحقيق ذلك أبدا.
وكل المخلوقات وفق هذا التصور، هى تجليات لحظية جزئية لأفكار الطبيعة. فالطبيعة غرست في كل مخلوق من مخلوقاتها فكرة شبيهة بفضيلة المعرفة الإغريقية القديمة. وأسمى صور الفن وفق تلك النظرية، هى تصوير الإنسان بالرسم أو بالنحت على الحجر، لأن فكرة الإنسان هى أغنى تجليات الطبيعة وأعقدها. وتمثل تلك الفكرة في عمقها وتنوعها الداخلى منجما لا نهاية له للفنان في السبر والاستكشاف والتمثيل.
ولهذا السبب اعتبرت تلك النظرية الإنسان مقياسا لكل شئ. فهو أسمى مخلوق، وهو الحامل والمجسد لكل القيم العليا والدنيا. ومن هذا المنطلق تم تصوير الإله نفسه على صورة إنسان، وبات الدين مناظرا للإنسانية. وتمثلت عبادة الإله في التأمل في أعماق الطبيعة الإنسانية وفى تنوعها اللانهائى. وهذا هو جوهر الثقافة اليونانية، الذى كان من الضرورى أن يعبر فن الحضارة الهيلينية كله عنه.
أما إذا انتقلنا إلى الشرق الأدنى، فسنجده يقدم لنا تقليدا فنيا على النقيض من نظيره الإغريقى، يقوم على اعتبار الإنسان مجرد أداة بيد بارئه سبحانه وتعالى، الذى خلقه لكى يعبده. ومن المؤكد في هذا المنظور أن الإنسان ليس غاية بحد ذاته مطلقا، وليس هو بالتالى مقياسا لأى شئ. فالمعيار يأتى من عند الله. والقواعد السلوكية التى يحددها هذا المعيار بمثابة قانون بالنسبة للإنسان. ولا محل هنا لأساطير كأسطورة بروميثوس. فالإنسان مجرد عامل في مملكة ربه، مبارك حين يطيع أمره، ملعون حين يعصاه.