الصفحة 319 من 334

ويجمع مفهوم الربوبية بين موجبات الرهبة والخشية، وبين موجبات الحب والرجاء. والذات الإلهية الجامعة بين هاتين الصفتين هى الفكرة الثابتة التى استحوذت على فكر الإنسان. وكان الشاغل الأول للإنسان على الدوام هو التعرف على الإرادة الإلهية وعلى كيفية تحقيقها، بحكم أن مصيره بيد ربه. ومن انشغاله بتلك الإرادة الإلهية، استمد الإنسان أهميته ووضعيته الكونية وكرامته.

وجاء فن حضارة الشرق الأدنى كله معبرا بالضرورة عن هذا البعد من أبعاد ثقافته. ولا مجال في ظل هذا الفن، لمقولة كون الطبيعى بوجه عام، والطبيعى البشرى بوجه خاص، هو المنافس الأقوى على الألوهية. ولا أساس على الإطلاق لحكاية بروميثوس التى هى أسطورة محضة لصراع مختلق بين الخالق والإنسان على السيادة في الكون. ولزم أولا مناهضة مثل تلك التهويمات، وذلك الخلط بين الألوهية والطبيعة تحت تأثير الفكر اليونانى والمصرى، وتخليص الوعى الإنسانى منه. وتعين ثانيا استيعاب كل الوعى الإنسانى في ملك الله، بما أن مصدرهذا الوعى ومعياره وناظمه ومصيره بيد الله تعالى.

ومعنى ذلك، أن الشرق الأدنى ابتكرأسلوب التنميط في الفن، الذى هو بمثابة فتح علمى مضاد لمحاكاة الطبيعة، قبل مجئ الاسكندر الأكبر بأمد طويل. ومن المؤكد أن هذا التقليد ازداد قوة وتأكيدا حينما غزا الإسكنر الأكبر الشرق الأدنى، وحاول فرض الهيلينية على سكانه بالقوة.

وناهضت اليهودية، التى هى الأخرى واحدة من ديانات الشرق الأدنى وثقافاته، مسعى الهلينة الاستعمارى بكل بسالة، وربما يكون فيلو هو أعظم ضحاياها في ذلك المعترك الثقافى. ونجحت اليهودية في الحفاظ على التزام فنها برؤية الشرق الأدنى الأصلية، إلى أن تعرضت حاسة التعالى الجمالى لليهودية إلى فساد جزئى، تحت تأثير الثقافة والديانة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت