الصفحة 321 من 334

تعالى:"فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" [1] . ومن ثم، يستحيل أن يكون في الخليقة أى شئ يمكن أن يكون شبيها بالله أو رمزا له، أو يمثله. فهو سبحانه، بالتعريف ذاته، أسمى من أى وصف. ويستحيل بالنسبة له سبحانه وتعالى الحدس الجمالى، فضلا عن الحسى.

وتعنى التجربة الجمالية، الفهم عبر المعطى العقلى بوجود جوهر أول ماورائى، متجاوز لكل ما هو طبيعى، يعمل كمبدأ معيارى للشئ الظاهر، محددا ما ينبغى أن يكون عليه ذلك الشئ. وكلما كان الشئ المرئى قريبا من ذلك الجوهر كلما كان أكثر جمالا. والجميل في حالة الكائنات الحية - النبات والحيوان والإنسان بوجه خاص - هو المطابق لذلك الجوهر الأول، بأعلى درجة مستطاعة، بحيث يكون بوسع كل صاحب بصيرة أن يحكم بحق بأن الطبيعة قد عبرت عن نفسها في الشئ الجميل بوضوح وفصاحة، وأن الشئ الجميل هو الكاشف عما تريد أن تفصح عنه في حالات نادرة، من بين أوجه قصور لا تحصى فيها.

فالفن هو عملية استكشاف داخل الطبيعة لذلك الجوهر الماورائى وتمثله في شكل منظور. ومن الواضح أن الفن ليس محاكاة للطبيعة المخلوقة، ولا هو تصوير حسى كامل لأشياء حقيقة طبيعية. فقد يكون التصوير الفوتوغرافى الذى يعيد إنتاج الشئ على ما هو عليه مفيدا في البيان والتوضيح، أو في التوثيق، وفى تحديد الهوية. ولكنه لا قيمة له بمعيار العمل الفنى. فالفن هو: القراءة في الطبيعة بحثا عن جوهر غير طبيعى، وإعطاء ذلك الجوهر الشكل المرئى المناسب له [2] .

(1) الشورى:11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت