والفن كما حللناه وعرفناه حتى الآن، هو بالضرورة حدس في الطبيعة بحثا عن ما هو ليس منها، أى عن المتعالى. ولا أحد يشارك الله تعالى في تلك الصفة. وفضلا عن ذلك، فإنه لما كان الجوهر الأول الذى هو موضوع الحس الجمالى، معياريا وجميلا، فإن عواطف الإنسان تتأثر به على نحو غير عادى. وهذا هو السبب في أن البشر يحبون الجمال، ويعايرون به. فهم حين يرون الجميل في الطبيعة البشرية، يتمثلون الجوهر الأصلى الماورائى المفارق، بأنسنة أضفيت عليها المثالية بدرجة متعالية.
وهذا هو بالضبط ما أسماه الإغريق"التأله"أو تجلى الإنسان في صورة الإله. ولدى البشر استعداد كبير لتقديس الأشخاص الذين يحدث لهم مثل هذا التحول، واعتبارهم آلهة. ولا يعرف الإنسان الغربى الحديث أى درجة تذكر من التسامح تجاه أية ألوهة مفارقة للطبيعة. وهو يستمد المحددات الحقيقية لأعماله المتعلقة بالجمال والسلوك، من"الآلهة"التى اختلقها عبر إضفاء المثالية على عواطف وتوجهات إنسانية [1] .
ويكشف ذلك عن السبب فيما ساد في أوساط الفن الإغريقى القديم، من اعتبار ذروة الجمال في فنون تصوير الآلهة، كمثل أعلى مؤله مرئى، لعناصر أوخصائص أو عواطف إنسانية، كما هو الحال في فن النحت، أو متصور كما هو الحال في الشعر والدراما. ولسان حال هذا الفن يقول أن الشئ الذى يصوره، وهو الألهة، جميل، لأنه نموذج مثالى لما ينبغى أن تكون عليه الطبيعة الإنسانية. ولم يحجب جمال كل إله من تلك الآلهة، الصراع المتأصل فيه تجاه كل ماعداه من الآلهة. والسبب الدقيق وراء ذلك، أن كل منها صور على أنه هو الشئ الحقيقى بالطبيعة