ولم يقف عطاء ذلك الفنان عند هذا الحد، بل تمثل الفتح الإبداعى الذى أحرزه في الوعى بحقيقة الفرق بين التعبير عن الله تعالى بشئ من الطبيعة، وبين التعبير عن استحالة التعبير عنه بشئ من هذا القبيل. فالهدف الجمالى الأسمى الذى هو في مقدور الإنسان هو: إدراك استحالة وصف الله تعالى على نحو تدركه الأبصار. فالله سبحانه وتعالى هو المطلق والمفارق الأسمى. ومقتضى الجدية في التسليم له بالإطلاق والتسامى، هو الحكم بأنه لا يمكن تمثيله بأى شى في الخليقة. وتصور المرء لله تعالى على أنه ليس مثله شئ في الوجود، هو بمثابة إدراك لكونه جميلا، ومفارقا في الجمال لكل ما هو جميل. فاستحالة الوصف صفة إلهية، تعنى: اللانهائية، والإطلاق، والآخرية، واللامشروطية، واللامحدودية. واللامحدود يستحيل وصفه بأى حال من الأحوال [1] .
وسيرا على هذا الخط الفكرى الإسلامى، ابتكر الفنان المسلم فن الزخرفة، وحوله إلى الزخرفة العربية المعروفة بالأربيسك، التى هى تصميم غير تطويرى، يمتد في كل الاتجاهات إلى ما لا نهاية. ويحول الأربيسك شكل الشئ الطبيعى الذى يزينه، سواء كان نسيجا أو معدنا أو آنية، أو حائطا، أو سقفا، أو عامودا، أو نافذة، أو صفحة من كتاب، إلى نموذج طاف، شفاف، مرهف، يمتد إلى ما لا نهاية في كل الاتجاهات. ولا يعود الشئ المأخوذ من الطبيعة هو نفسه، بل يصير شيئا جديدا تحولت طبيعته، وأصبح مجرد مجال للرؤية. وبالتعبير الجمالى، يغدو الشئ الطبيعى بالمعالجة الأربيسكية، نافذة إلى اللامحدود. وبملاحظة موحيات اللانهائية فيه، يدرك الإنسان، عبر النفى وحده، المعنى الوحيد من معانى التعالى، الذى يمكن تمثله بالحس والحدس [2] .