وهذا جهل فاضح؛ فالمسلمون لم يجاهدوا قط من أجل الدنيا ومتاعها، ولا من أجل السيطرة والبغي والعدوان، ولا يعد الإسلام هذا جهادًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [1] والإسلام أبقى أهل البلاد المفتوحة في بلادهم وبساتينهم ولم يغصبهم إياها، وسمح لهم بمزاولة شعائر دينهم، ومن أكبر الأدلة على وجود العامل الإنساني في الجهاد الإسلامي، وأنه إنما شرع لغرض جليل أن الشعوب التي فُتحت بلدانها أسلمت قيادتها للمسلمين، بل دخلت في دين الله أفواجًا كما هو معلوم، بل إن الذين لم يقبلوا الإسلام دينًا ارتضوه لغة وحضارة وثقافة؛ إذ أين اللغة القبطية اليوم؟ وأين اللغة الفينقية والآشورية والكلدانية؟ قد هجرها أهلها واتخذوا من العربية لغة لهم، وهذا لفرط إعجابهم بها وبأهلها، بينما دخل المستخربون الفرنسيون إلى الجزائر، وعاثوا فيها الفساد وخربوها مائة وثنتين وثلاثين سنة، فكم تنصر من أهلها؟ إنما هم بضعة آلاف تحت مطارق الترهيب ونواعم
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.