الصفحة 30 من 68

فإنها كانت مثل {سورة الأنعام} فأسقط منها فضائل أهل البيت وأحكام إمامتهم. وأُسقط لفظ {ويلك} قبل قوله تعالى {لا تحزن إن الله معنا} (1)

(1) لأبي الثناء الألوسي كلام نفيس في حول هذه الآية الكريمة ردًا على الرافضة الذين حاولوا انتقاص الصديق رضوان الله عليه، حيث يقول رحمه الله تعالى في تفسيره"روح المعاني"ج 10 ص 100 وما بعدها:

وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله عنه، قالوا: إن الدال على الفضل إن كان {ثاني اثنين} فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متممًا لعدد، وإن كان {إذ هما في الغار} فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان، وكثيرًا ما يجتمع فيه الصالح والطالح، وإن كان {لصاحبه} فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك} وقوله سبحانه {وما صاحبكم بمجنون} و {يا صاحبي السجن} بل تكون بين من يعقل وغيره كقوله:

إن الحمار مع الحمير مطية وإذا خلوت به فبئس الصاحب

وإن كان {لا تحزن} فيقال: لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو معصية. لا جائز أن يكون طاعة، وإلا لما نهي عنه صلَّى الله عليه وسلَّم، فتعين أن يكون معصية لمكان النهي، وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه وإن كان {إن الله معنا} فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له صلَّى الله عليه وسلَّم وحده لكن أتى - بنا - سد الباب الإيحاش. ونظير ذلك بالإتيان بأو في قوله {وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} وإن كان {فأنزل الله سكينته عليه} فالضمير فيه للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم. لئلا يلزم تفكيك الضمائر، وحينئذ يكون في تخصيصه عليه الصلاة والسلام لم يخرجه معه إلا حذرًا من كيده لو بقي مع المشركين بمكة، وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل عليًا رضي الله عنه، إشارة لذلك، وإن كان شيئًا لنتكلم عليه، انتهى كلامهم.

ولعمري إنه أشبه شيء بهذيان المحموم، أو عربدة السكران، ولولا أن الله سبحانه وتعالى حكى في كتابه الجليل عن إخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فمًا أو نجري في ميدان تزييفه قلمًا، لكني لذلك أقول: لا يخفى أن {ثاني اثنين} وكذا {إذ هما في الغار} إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصّدّيق رضي الله تعالى عنه، ولا ندعي دلالتهما مطلقًا ومعونة المقام أظهر من نار على علم، ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانيًا باختياره لآخر، ولا معه في مكان، إذا فرّ من عدو ما لم يكن معوّلًا عليه متحققًا صدقه لديه، لاسيما وقد ترك الآخر لأجله أرضًا حلّت فيه قوابله، وحلّت عنه بها تمائمه، وفارق أحبابه، وجفا أترابه، وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقصر فيه الخطا.

ومما يدل على فضل الاثنينية قوله صلَّى الله عليه وسلَّم مسكنًا جأش أبي بكر:"ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما"، والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعي لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضًا. فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد، أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو في الخليل ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيلته، وأن {لا تحزن} ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف، بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه، أو نحوها.

وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطابًا لموسى وهارون عليهما السلام {لا تخافا إنني معكما} وكذا في قوله سبحانه للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعًا} إلى غير ذلك.

أفترى أن الله سبحانه نهى عن طاعته؟ أو أن أحدًا من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية، سبحانك هذا بهتان عظيم.

ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه قد يكون موردًا للمدح والذم، كالحزن على فوات الطاعة فإنه ممدوح، والحزن على فوات المعصية فإنه مذموم، لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه من ارتكاب الباطل ما فيه، فإنا لا نُسلّم أن الخوف يدل على الجبن، وإلا لزم جبن موسى وأخيه عليهما السلام، فما ظنك بالحزن؟.

وليس حزن الصّدّيق رضي الله تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن أنصف رأى أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله {لا تحزن} كما سلاه ربه سبحانه بقوله {لا يحزنك قولهم} مشيرة إلى أن الصّدّيق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلاة والسلام بمنزلته عند ربه جلّ شأنه، فهو حبيب حبيب الله تعالى، بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه صلَّى الله عليه وسلَّم، كان نفس الخطاب بلا - تحزن - كافيًا في الدلالة على أنه رضي الله تعالى عنه حبيب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلا فكيف تكون محاورة الأحباء؟ وهذا ظاهر إلا عند الأعداء.

وما ذكر من أن المعية الخاصة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وحده والإتيان - بنا - لسد باب الإيحاش من باب المكابرة الصرفة، كما يدل عليه الخبر المار آنفًا، على أنه إذا كان ذلك الحزن إشفاقًا على الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه، لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له، ولو سلمنا الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلًا واضحًا على مدح الصّدّيق، وإن كان على نفسه فقط كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلًا، وأي معنى في لا تحزن على نفسك إن الله معي لا معك.

على أنه يقال للرافضي: هل فهم الصدّيق رضي الله تعالى عنه من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير {بنا} كان سدًا لباب الإيحاش أم لا؟ فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولابد فنكون قد وقعنا فيما فررنا منه، وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك، ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل، وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت، فكيف يسلم لك الامتياز على الصّدّيق وهو - هو - وقد فهم من إشارته صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتى علي رضي الله عنه، فاستغربوا بكاءه رضي الله تعالى عنه يومئذ، وما ذكر من التنظير في الآية مشيرًا إلى التقية التي اتخذها الرافضة دينًا وحرّفوا لها الكلم عن مواضعها، وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه، وكون التخصيص مشيرًا إلى إخراج الصدّيق رضي الله تعالى عنه عن زمرة المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، لو كان ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير رضي الله عنه، فكيف مكّنوه من الخلافة التي أخذت النبوة عند الشيعة، وهم الذين لا تأخذهم لومة لائم، وكون الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة، والأمير كان مستضعفًا فيما بينهم، أو مأمورًا بالسكوت وغمد السيف، إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوى بساط رده وعاد شذر مذر، فلا حاجة إلى إتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه، وما ذكر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُخرجه إلا حذرًا من كيده فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على إخراجه أصلًا فضلًا عن كون ذلك حذرًا من الكيد، على أن الحذر - لو كان - في معيته له صلَّى الله عليه وسلَّم، وأي فرصة تكون مثل هذه الفرصة التي حصلت حين جاء الطلب لباب الغار؟ فلو كان عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وحاشاه أدنى ما يُقال لقال: هلموا فهاهنا الغرض. ولا يُقال: أنه خاف على نفسه أيضًا، لأنه يمكن أن يخلصها منهم بأمور، ولا أقل من يقول لهم: خرجت لهذه المكيدة، وأيضًا لو كان الصّدّيق كما يزعم الزنديق فأي شيء منعه من أن يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن فهيرة، فقد كانوا يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة، فيخبر أحدهم الكفار بمكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى أنه على هذا الزعم يجيء حديث التمكين وهو شاهد على وزنه هو - هو - وأيضًا إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي رضي الله عنه: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمره بالبيتوتة على فراشه الشريف ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون، ظنًا منه أنه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فيستريح منه، وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي: إن إخراج الصّدّيق إنما كان حذرًا من شره، فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب المستهجن عند ذوي الألباب .. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت