الصفحة 49 من 68

ومنهم من حذّر الأئمة منهم ومن نقلة الأخبار ورواة الآثار عن الأئمة العظام. روى الكليني عن إبراهيم الخراز ومحمد بن الحسين قالا: دخلنا على أبي الحسن الرضا فقلنا: إن هشام بن سالم والميثمي وصاحب الطاق يقولون إن الله تعالى أجوف من الرأس إلى السرّة والباقي مصمت. فخر ساجدًا ثم قال: سبحانك، ما عرفوك ولا وحّدوك، فمن أجل ذلك وصفوك. وقد دعا الإمام على هؤلاء وعلى زرارة بن أعين فقال: أخزاهم الله.

وروى الكليني أيضًا عن علي بن حمزة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورية يمنّ بها على من يشاء من عباده. فقال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يحدّ ولا يحسّ ولا يحيط به شيء ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد.

ومنهم من كان منكرًا لموت الإمام الصادق بأنه هو المهدي الموعود به، ويُنكرون إمامة الأئمة الباقين. وأكثر رواة الإمامية كانوا واقفية (1)

(1) الواقفة فرقة من فرق الشيعة، وسمّوا بالواقفة لوقوفهم في إمامة أبي الحسن موسى بن جعفر، وخير من يوضح لنا حقيقة الواقفة الحسن بن موسى النوبختي فيقول في كتابه"فرق الشيعة"ص 78 وما بعدها: وقالت الفرقة السادسة منهم أن الإمام (موسى بن جعفر) بعد أبيه وأنكروا إمامة عبد الله وخطّأوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة وكان فيهم من وجوه أصحاب أبي عبد الله عليه السلام .... ثم إن جماعة المؤتمين بموسى بن جعفر لم يختلفوا في أمره فثبتوا على إمامته إلى حبسه في المرة الثانية، ثم اختلفوا في أمره، فشكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس الرشيد، فصاروا خمس فرق.

فرقة زعمت أنه مات في حبس السندي بن شاهك وأن يحيى بن خالد البرمكي سمّه في رطب وعنب بعثهما إليه فقتله، وأن الإمام بعد موسى، علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة"القطعية"لأنها قطعت على وفاة موسى بن جعفر وعلى إمامة علي ابنه بعده، ولم تشك في أمرها ولا ارتابت ومضت على المنهاج الأول.

وقالت الفرقة الثانية: إن موسى بن جعفر لم يمت، وإنه حي لا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلًا كما ملئت جورًا، وأنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس، ولم يره أحد نهارًا، ولم يعلم به، وأن السلطان وأصحابه ادّعوا موته، وموّهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمد أنه قال: هو القائم المهدين فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا فإنه القائم.

وقال بعضهم: أنه القائم وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختف في موضع من المواضع، حي يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سمي القائم قائمًا لأنه يقوم بعد ما يموت.

وقال بعضهم: أنه قد مات وأنه القائم، وأن فيه شبهًا من عيسى بن مريم عليه السلام، وأنه لم يرجع ولكن يرجع في وقت قيامه، فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وأن أباه قال: أن فيه شبهًا من عيسى بن مريم وأنه يُقتل في يدي ولد العباس، فقد قتل.

وأنكر بعضهم قتله وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وأنه يرده عند قيامه فسموا هؤلاء جميعًا"الواقفة"لوقوفهم على علي بن موسى بن جعفر أنه الإمام القائم، ولم يأتموا بعده بإمام ولم يتجاوزوه إلى غيره.

وقد قال بعضهم فمن ذكر انه حي أن الرضا عليه السلام ومن قام بعده ليسوا بأئمة، ولكنهم خلفاؤه واحدًا بعد واحد إلى أوان خروجه، وأن على الناس القبول منهم والانتهاء إلى أمرهم، وقد لقب الواقفة بعض مخالفيها ممن قال القبول منهم والانتهاء إلى أمرهم، وقد لقب الواقفة بعض مخالفيها ممن قال بإمامة علي بن موسى"الممطورة"وغلب عليها هذا الاسم وشاع لها، وكان سبب ذلك أن علي بن إسماعيل الميثمي ويونس بن عبد الرحمن ناظرًا بعضهم فقال له علي ابن إسماعيل وقد اشتد الكلام بينهم: ما أنتم إلا كلاب ممطورة. أراد أنكم أنتن من جيث، لأن الكلاب إذا أصابها المطر فهي أنتن من الجيف فلزمهم هذا اللقب. فهم يُعرفون به اليوم، لأنه إذا قيل للرجل أنه ممطور فقد عُرف أنه من الواقفة على موسى بن جعفر خاصة، لأن كل من مضى منهم فله واقفة وقفت عليه، وهذا اللقب لأصحاب موسى خاصة.

وقالت فرقة منهم: لا ندري أهو حي أم ميت لأنا قد روينا فيه أخبارًا كثيرة تدل على أنه القائم المهدي، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضًا مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله، ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عزَّ وجلَّ يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادّعى الإمامة يعنون علي بن موسى الرضا، فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبل بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه، لا بإخبار أصحابه، سلمنا له ذلك وصدّقناه، وهذه الفرقة أيضًا من الممطورة، وقد شاهد بعهم من أبي الحسن الرضا أمورًا فقطع عليه بالإمامة وصدقت فرقة منهم بعد ذلك روايات أصحابه وقولهم فيه فرجعت إلى القول بإمامته ... اهـ.

وقد وردت من طريق الشيعة روايات كثيرة في ذم الواقفة وأنهم كفار وزنادق من ذلك: عن علي بن عبد الله الزهري قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الواقفة. فكتب: الواقف عاند من الحق، ومقيم على سيئه، إن مات بها، كانت جهنم مأواه وبئس المصير (رجال الكشي 387، مسند الإمام الرضا 2/ 471) .

الفضل بن شاذان رفعه عن الرضا، قال: سئل عن الواقفة؟ فقال: يعيشون حيارى ويموتون زنادقة (رجال الكشي 388، مسند الإمام الرضا 2/ 471) .

يوسف بن يعقوب قال: قلت لأبي الحسن الرضا: أعطي هؤلاء الذين يزعمون أن أباك حي من الزكاة شيئًا؟. قال: لا تعطهم فإنهم كفار مشركون زنادقة (رجال الكشي 387، مسند الإمام الرضا 2/ 471) .

عن بكر بن صالح قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ما يقول الناس في هذه الآية؟. قلت: جعلت فداك فأي آية؟. قال: قول الله عزَّ وجلَّ: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} . قلت: اختلفوا فيها. قال أبو الحسن عليه السلام: ولكن أقول نزلت في الواقفة، إنهم قالوا: لا إمام بعد موسى عليه السلام فرد الله عليهم، بل يداه مبسوطتان، واليد هو الإمام في باطن الكتاب، وإنما عنى بقولهم: لا إمامك بعد موسى بن جعفر (رجال الكشي 388، مسند الإمام الرضا 2/ 472) .

عن محمد بن عاصم قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: يا محمد بلغني أنك تجالس الواقفة؟ قلت: نعم جعلت فداك أجالسهم وأنا مخالف لهم. قال: لا تجالسهم، فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} يعني بالآيات الأوصياء الذي كفروا بها الواقفة (رجال الكشي 389، مسند الإمام الرضا 2/ 472) .

عن سليمان الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام بالمدينة إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة، فسأله عن الواقفة. فقال أبو الحسن عليه السلام {ملعونين أينما ثقفوا أُخذوا وقتلوا تقتيلًا، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة تبديلًا} والله إن الله لا يبدلها حتى يقتلوا عن آخرهم (رجال الكشي 389، مسند الإمام الرضا 2/ 472) .

عن محمد بن أبي عمير عن رجل من أصحابنا قال: قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك قوم قد وقفوا على أبيك يزعمون أنه لم يمت. قال: كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عزَّ وجلَّ على محمد صلَّى الله عليه وآله، ولو كان الله يمدّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه، لمدّ الله في أجل رسول الله صلَّى الله عليه وآله (رجال الكشي 389، مسند الإمام الرضا 2/ 472) .

أقول: هذه الرواية من الأدلة القوية على فساد اعتقاد الشيعة في المهدي الموهوم عندهم.

وبعد هذا البيان ربما يتساءل بعض القراء عن السبب الذي دعاهم إلى الوقف، هل هذا الوقف باعثه التغيير العقائدي؟ أم أنه من واقع حب الذات والاستئثار بالأموال التي تُجمع تحت ستار"خُمس الإمام"؟ وإنهم أدركوا بعد مشوار طويل في هذا الطريق أنهم أحق بها من إمامهم المعصوم؟

أنا شخصيًا أُرجّح السبب الثاني ويؤيدني فيما أذهب إليه شيخ الطائفة عند الشيعة"الطوسي"، وقبل أن أذكر كلام الطوسي أحب أن أذكر أن أعمدة الواقفة لم يستطيعوا إقناع فئات كثيرة من الشيعة بصحة هذا المعتقد إلا بعد أن بذلوا لمعتنقي هذا المبدأ الأموال الطائلة، وقد نجحت فكرتهم وأتخمت جيوبهم بالأموال الوفيرة، وهذا دليل على هشاشة الدين الشيعي، وهذا ما ينطبق على آيات قم والنجف من أكل أموال الناس بالباطل تحت مسمى"الخمس".

يقول الطوسي في كتابه الغيبة ص 42 وما بعدها: وقد روي السبب الذي دعا قومًا إلى القول بالوقف، فروى الثقات أن أول من أظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان ابن عيسى الرواسي، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حطامها، واستمالوا قومًا فبذلوا لهم شيئًا مما اختانوه من الأموال نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري وكرام الخثعمي وأمثالهم.

فروى محمد بن يعقوب .... عن يونس بن عبد الرحمن قال: مات أبو إبراهيم عليه السلام، وليس قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعًا في المال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلما رأيت ذلك وتبينت الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا ما علمت تكلمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إليّ وقالا: ما يدعوك إلى هذا، إن كنت تريد المال فنحن نغنيك، وضمنا إليّ عشرة آلف دينار، وقالا: كف ... فأبيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت