فمنها: ما (1)
(1) قوله (( فمنها ما…الخ ) ): استدلَ بهذا الحديثِ على إثباتِ مَسْحِ الرَّقَبَة شَيْخُ الإِسلامِ مجدُ الدِّينِ عبدُ السَّلام بنُ عبدِ اللهِ الحَرَّاني، جدُّ العلامةِ أحمدَ بنِ عبدِ الحليم المشهور بابن تَيْميَّةَ الحَرَّاني الحَنْبَلِيّ، حيث قال في كتابه (( المنتقى في الأحكام الشرعية ) )في كتاب الطهارة (باب مَسْحِ العُنُق) : عن ليث عن طَلْحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جدِّه: (( أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ يَمْسَحُ رَأَسَهُ حَتَّى بَلَغَ القَذَال وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ العُنُقِ ) ). رواه أحمد (3: 481) . انتهى كلامه.
وفي (( تخريج أحاديث الرَّافِعِي ) ) (1: 92 - 93) للحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانيّ: قال النَّوَويّ: هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يعني حديث: (( مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِن الغُلِّ يَوْمَ القِيَامَةِ ) ).
وزاد في موضعٍ آخرٍ: لم يصحّ عَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم فيه شَيْءٌ، وليس هو سنةٌ بل هو بدعةٌ، ولم يذكره الشَّافِعِيّ، ولا جمهور الأصحاب، وَإِنَّمَا قاله ابنُ القاص وطائفةٌ يسيرةٌ.
وتعقَّبَهُ ابنُ الرِّفعةِ: بأن البَغَويّ من أئمةِ الحديث قد قال باستحبابِهِ، ولا مأخذ لاستحبابه إِلا خبرٌ أَوْ أثرٌ؛ لأنَّ هذا لا مجال للقياسِ فيه. انتهى.
ولعلَّ مستندَ البَغَويّ في استحبابِ مَسْحِ القَفَا ما رواهُ أحمدُ (3: 481) ، وأبو دَاوُدَ (1: 32) من حَدِيث طَلْحةَ بنِ مُصَرِّف عَن أَبِيه عَن جدِّه: (( أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يَمْسَحُ رَأَسَهُ حَتَّى بَلَغَ القَذَالَ وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدِّمِ العُنُقِ ) ). وإسناده ضعيفٌ كما تقدَّم.
قلت: الذي أشارَ إليه أَنَّهُ تَقَدَّمَ هو ما ذَكَرَهُ في الكتابِ المذكورِ قبيل ذلك (1: 78) : أنَّ في حديث طَلْحة ليثُ بن أَبِي سليم، وهو ضعيفٌ، وقال ابن حِبَّان: كان يقلِّبُ الأسانيدَ، ويرفعُ المراسيل، ويأتي عَن الثِّقَات ما ليس من حديثهم، تركه ابنُ القَطَّان وابنُ مَعين وابنُ مَهْدِيّ وأحمدُ، وقال النَّوَويّ في (( تهذيب الأسماء ) ) (2: 74) : اتفق العلماءُ على ضعفِهِ. انتهى.
ولا يخفى على الماهرِ أنَّ ضعفَ ليثٍ ليس بدرجةٍ توجبُ ضعفَ حديثِهِ، وعدمَ الاحتجاجِ به، بل ضَعْفُهُ يسيرٌ كما يَشْهَدُ به قولُ الذَّهَبي في (( الكاشف ) )) (2: 151) : ليثُ بن أَبِي سليم فيه ضعفٌ يسيرٌ من سوء حفظه، وكان ذا صلاةٍ وصيامٍ وعلمٍ كثيرٍ. انتهى.
وقال المُنْذِريّ في كتاب (( التَّرغيب والتَّرهيب ) ): فيه خلافٌ، وقد حدَّثَ عنه النَّاسُ، وقال الدَّارَقُطْنِيّ: كان صاحبَ سنةٍ، إِنَّمَا أنكروا عليه الجمعَ بين عَطَاء وطاووس ومجاهد، ووثَّقَهُ ابنُ مَعين في رِوَايَة. انتهى.
وقال السُّيُوطِيُّ في (( اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ) ): رَوَى له مُسْلِم والأربعةُ وفيه ضَعْفٌ يسيرٌ من سوءِ حفظه، ومنهم من يَحْتَجُّ بِه. انتهى.
وقال في مَوضعٍ آخرٍ منه: روى له مسلمٌ والأربعةُ ووثَّقَهُ ابنُ معينٍ وغيرُهُ. انتهى.
وفي (( قانون الموضوعات ) )لمُحَمَّدِ طاهر الفَتَّني: لم يبلغْ أمره إلى أن يُحْكَمَ على حديثه بالوضعِ، وقد روى له مُسْلِمٌ والأربعةُ، وفيه ضَعْفٌ يسيرٌ، ووثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ. (التحفة) .