وهذه شبهة لهم متفرعة عن التي تقدمت قبلها، فإنا لما ذكرنا لهم أن الآية السابقة نافية لحقيقة إيمان المعرض عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: فما باله صلوات الله وسلامه عليه لم يكفر المعترض على حكمه في شراج الحرة .. [1] . وكذلك المنافقين الذين قال تعالى فيهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) [النساء: 61] ومثل ذلك الرجل الذي قال في قسمة النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله".
والجواب على هذا أن نقول: قد تكرر أن الأمر الذي نحن بصدده هو من أصل الدين وقاعدته، ومثل هذا لا يتطرق إليه النسخ أبدًا، فلا يصح بحال أن يخدش أو يصادم بحوادث الأعيان التي قد تكون لها ملابسات وتأويلات معينة .. بل ينبغي أن يُرد أمثال ذلك - إن أشكل تأويله - إلى أمه وأصله كما هو الحال في المتشابه إذ يُردّ إلى المحكم من القرآن .. ولا يجوز أن تُصادم النصوص ويُضرب ببعضها بعضًا ..
أما حديث المعترض على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة وأمر المنافقين الذين يصدون عن حكم الله صدودًا فهما كما قدمنا لك في موضوع وسياق واحد، فاحتجاجهم لطواغيتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفر هؤلاء لا حجة لهم فيه. لأن القرآن قد نزل بعد هذه الحوادث حاكمًا بكفر كل من يعترض على حكم الله وحكم الرسول، أو يريد التحاكم إلى الطاغوت. فيمتنع أن لا يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إن أصروا عليه ولم يظهروا توبة وندمًا ورجوعًا. ويمتنع أن يقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على الاستمرار في الطعن في أحكام الله والتحاكم إلى الطاغوت دون أن يُكفرهم ويقتلهم وهو القائل:"من بدل دينه فاقتلوه".
فلزم أن يقال أنهم بعد نزول الآيات لم يصروا على ذلك الكفر، بل تابوا وندموا واستسلموا وانقادوا لحكم الله ولو ظاهرًا ..
قال الإمام ابن حزم في محلاه المجلد (11) في المسألة (2199) :"حتى إذا بيّن الله أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهما، وجب أن من وقف على هذا قديمًا وحديثًا وإلى يوم القيامة فأبى وعَنَدَ فهو كافر. وليس في الآية أن أولئك عندوا بعد نزول الآية"اهـ.
وهذا تمامًا كالذين استهزؤوا بالقراء في غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم، فلا يصح أن يستدل بهذا على أنهم لم يكفروا باستهزائهم [2] .. بل الصواب أن يقال أنهم أظهروا التوبة بعد أن حكم الله بكفرهم، فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بظاهرهم ..
يقول ابن حزم في المحلى أيضًا (11/ 207) بعد أن ذكر قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ .. ) إلى قوله تعالى: (كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 65، 66] ، قال:"هذه بلا شك في"