فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 370

هذا وقد احتج بعض أفراخ المرجئة للترقيع للطواغيت بقول عبد الله بن شقيق العقيلي رضي الله عنه:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة".

فإذا ما تساهلنا معهم وأرجأنا الكلام في مسألة حجية مثل هذا والخلاف فيه عند أهل العلم بالأصول خصوصًا إذا وجد المخالف والمعارض له من الصحابة، وانتقلنا إلى فهم المراد من هذا الأثر .. فالواجب علينا لزامًا معرفة الأعمال المشار إليها فيه .. فإما أن نطلقها فندخل فيها كل ما يقع عليه مسمى العمل، فيدخل (التوحيد) والكفر بالطاغوت ونحوه .. إذ هي أعمال وهذا باطل، لأن تركها كفر بالاتفاق .. أو نقيدها بما هو دون ذلك من أعمال، فيبطل الاحتجاج بهذا الأثر على طامة زماننا الشركية - والتي لم يكن لها وجود يوم قيل هذا الأثر أصلًا - أعني"ترك تحكيم شرع الله وتحكيم الطواغيت المحلية والدولية"خصوصًا وأن القضية كما علمت سابقًا ليست مجرد ترك الحكم ببعض شرع الله أحيانًا بل هي تول مطلق عن حدود الله، وتشريع واستبدال، أي دخول في دين الطواغيت وعبادتها واتخاذها أربابًا متفرقة بطاعتها في التشريع وعدم البراءة منها ومن تشريعاتها .. وليس في هذا ترك التوحيد والإعراض عنه وحسب، بل فيه هدمه وحربه .. ومعلوم أن هذا الأصل الذي خصومتنا فيه، لا يكفر محاربه وهادمه والصاد عنه وحسب، بل وحتى التارك له تركًا مجردًا المعرض عنه، إذ هذا ليس تركًا لعمل مستحب أو واجب من الواجبات التي لم يأثم تاركها وحسب، وإنما هو ترك وإعراض عن أصل الإسلام الأصيل، والشرط الذي لا يقبل عمل من الأعمال دونه .. فكيف بالهادم له المحارب الصاد عنه .. ؟؟

وعلى كل حال، فلا ينبغي تحميل هذا الأثر أكثر مما يحتمل .. إذ هو لا يتكلم عن شعب الكفر العملية ولا القولية، التي عرفت كثيرًا منهم فيما تقدم، وإنما يتكلم عن ترك شعب الإيمان العملية، فليس جميع الأعمال التي هي من شعب الإيمان العملية تركها كفر، كإماطة الأذى عن الطريق، والبذاذة والحياء وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك ونحوها، فإنه من المعلوم أنه إذا زال شيء من أمثال هذه الشعب لم يزُل الإيمان بالكلية ولم ينتقض .. وإنما ينتقص بقدرها إن كانت من واجبات الإيمان .. أما شعب الإيمان التي هي من أصله فإن الإيمان ينتقض بزوالها أو بزوال بعضها، كالصلاة التي ذكرت في هذا الأثر على أنها الشعبة العملية الوحيدة التي يناقض تركها للإيمان .. وذلك لأن أهل السنة اعتبروا الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فمن الأعمال عندهم ما هو من كمال الإيمان (أي: المستحب) ، ومنها ما هو من الإيمان الواجب، ومنها ما هو شرط لصحة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت