ثانيا:
في مجال الفكر الإسلامي نجد دعاة ومجددون ينتظمون تاريخه كله، أما الدعاة فهم أولئك الأبرار الذين ينطلقون في الأرض ينشرون كلمة الله ويذيعونها في الآفاق. وقد حقق هؤلاء نتائج بالغة الأثر والأهمية وتم على أيديهم طوال تاريخ الإسلام دخول عدد كبير في الإسلام. لم تكن أداتهم في ذلك غير شخصية مؤمنة في التعبير عن عقيدة سمحة يسيرة، تؤدي القدوة فيها عملًا أضخم من كل كلام في الإقناع بشخصية المسلم.
أما المجددون ومصححو المفاهيم فقد حفل بهم تاريخ الفكر الإسلامي، ولم ينقطع تواردهم في كل عصر، وبيئة، يدعون الناس إلى التماس قيمهم من القرآن أساسًا، ويردون على الشبهات المثارة، ويصححون المفاهيم التي تكون قد انحرفت نتيجة دخول مفاهيم غريبة عليها في محاولة للقضاء على القيم الأساسية التي يتسم بها الفكر الإسلامي .. وفي مقدمة هؤلاء ابن حزم والغزالي وابن تيمية ..
أما ابن حزم فقد جابه موجة الجمود والتقليد التي كانت تسود عصره، وجدد الفكر الإسلامي ملتمسًا أصوله من القرآن والسنة الصحيحة. وآراؤه واعية إيجابية قوامها الصراحة والاحتكام إلى العقل ومقاومة التقليد.
أما"الغزالي"فقد واجه عناصر عديدة من خصوم الفكر الإسلامي كالباطنية والدهرية وفلاسفة الإلهيات وعلماء الكلام وشجب مفاهيمهم جميعًا وأعلن أن أسلوب القرآن هو أعلى الأساليب وأبلغها وأدقها وأقربها إلى مختلف العقول والنفوس، وأنه أصدق من أسلوب المتكلمين وأنفع وأعم وأشمل للطبقات والمستويات الفكرثية المختلفة، وإن علم الكلام علاج مؤقت، نشأ في ظروف معينة للرد على شبهات وشكوك مثارة، ولا حاجة للطبائع السليمة والعقول المستقيمة إليه، أما"القرآن"فالغذاء الصالح والماء السائغ يحتاج إليهما كل إنسان وينتفع به آحاد الناس ويستضر به الأكثرين.
وواجه الغزالي الفلسفة فأثبت حقها في مجال الفلسفة الطبيعية والرياضيات وهاجم"الفلسفة الإلهية"وحدها.