وهل يستطيع الإنسان أن يحكم على نفسه أو على غيره؛ أنه قد أكمل تربية نفسه وأصبح تقيًا بارًا صالحًا قد وجب عليه الجهاد حينئذ؟!
فإن فعل فقد دخل في نهي الله تعالى عن تزكية النفس حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ} ، وقوله ذلك دليل على أنه لم تكتمل تربيته، وهل يستطيع أحد أن يحكم على أحد بأنه قد صار مكتمل الإيمان سليم القلب صحيح العمل؟
ولذلك فإن مذهب أهل السنة والجماعة الاستثناء في الإيمان - وهو أن يقول الإنسان؛ أنا مؤمن إن شاء الله - على قصد عدم إكمال شعب الإيمان كلها والقيام بكل واجباته.
دفع الفتنة من أوجب الطاعات:
هذا وإن دفع فتنة الكفار أوجب شيء على المسلمين بعد الإيمان بالله تعالى في هذا الزمان، وهل هناك فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر، ويبيحون بلاد المسلمين لأعدائهم ينهبون ثرواتهم ويعيثون فيها فسادًا، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء الكفار حتى تكتمل تربية المشاركين في الجهاد، فقد قال قولًا تخالفه عموم الأدلة القاضية بوجوب الجهاد ودوامه واستمراره إلى يوم القيامة.
ثم ألا يدري أصحاب هذا القول؛ أن الكفار لا يزالون يحاربون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم، ولن يتركوا للمربين الفرصة للقيام بما يرغبون، والواقع خير شاهد على ذلك، فإن هؤلاء المجرمين بما يملكون من وسائل الترغيب والترهيب والتأثير الإعلامي والمادي يستطيعون التأثير على العامة، بحيث إذا تقدم معهم من يتعهدهم بالتربية خطوة، رجع هؤلاء بهم إلى الكفر والفساد خطوات، والنتيجة الواضحة للعيان هي ضياع دين كثير من الناس تحت تأثير السيف والذهب.
وصدق الله تعالى إذ يقول: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} .
كذلك فإن هؤلاء الكافرين لن يبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة؛ إلا وأغلقوها أو أفرغوها من مضمونها، فتبقى صورة بلا معنى ولا فائدة، ولذلك قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ، فلولا دفع الله تعالى الكافرين بالمجاهدين في سبيله؛ لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه.