أبرارًا) [1] اهـ.
ومما سبق يتبين؛ أن الجهاد ماض لا يتوقف بسبب جور أو ظلم بعض الحكام والأمراء، وإنه إن لم يمكن الجهاد خلف الأمير التقي الصالح، فإنه يُجاهد خلف الأمثل فالأمثل، ولا يُترك الجهاد مع بعض الأمراء المسلمين لأن فيهم أو في عسكرهم من ليس بتقي أو من لم تكتمل تربيته، فإن ترك الجهاد والحالة هذه يؤدي إلى ضياع الإسلام وضعف أهله.
وهذا ما نراه واقعا نعيشه في هذا الزمان، فإنه لما انتشر هذا المذهب الفاسد - أعني ترك الجهاد بسبب قلة التربية - وقعد أهل الإسلام عن منازلة أعداء الملة بهذه الحجة؛ غلب الكفار على ديار المسلمين وعلى أعراضهم وأموالهم بل وأذلوهم وحكموهم بالقوانين الوضعية الكافرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وسلبوا المسلمين كل مظاهر القوة والعزة، حتى صار المسلمون أذل الناس وأضعفهم، وانتشرت المذاهب الباطلة من اشتراكية وديمقراطية وعلمانية وغيرها، وما استطاع المسلمون التأثير في حياة الناس، وظل بعضهم يردد؛ لا جهاد قبل اكتمال التربية! بل قد تجرأ بعضهم فأبطل الجهاد قبل كمال التربية أصلًا!
إلى ماذا يهدف هؤلاء؟
ولا ندري ماذا يقصد أصحاب هذا الشعار، هل يقصدون إيقاف الجهاد حتى يكون كل واحد من المسلمين مثل أبي بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم؟! أم يقصدون إيقاف القتال حتى يكون كل واحد من المجاهدين أمثال ابن تيمية وابن القيم والعز ابن عبد السلام وأمثالهم؟!
وما هو حد هذه التربية التي يُقال عندها؛ الآن قد وجب الجهاد؟ أهي قيام الليل كل ليلة؟ أم صيام النهار كل يوم؟ أم ختم القرآن كل ثلاث؟ أم أنهم يوقفون الجهاد حتى تصفَّى كتب العلم كلها مما فيها من المخالفات سواء الحديثية أو الفقهية؟ وأنَّى لهم أن يوفوا بذلك كله؟
ومن المعلوم أن ما لا ينضبط لا يصح أن يكون شرطًا.
والله تبارك وتعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعلم وأعبد وأزهد الناس وأشجعهم - قد أمره بالعبادة ومجاهدة النفس إلى أن يموت، فقال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} .
(1) مجموع الفتاوى: ج 28/ 506 - 508، وراجع شرح العقيدة الطحاوية: 422 - 423، فقد ذكر كلاما طويلا لا يخرج عما ذكرناه.