إلى أن قال رحمه الله:(بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم" [1] .
فهذا الحديث يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم:"الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر أو عدل عادل".
وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة" [2] .
إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة مع جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم، بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة.
هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم أنه:"سيلى أمراء ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه ولا يرد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض") [3] .
الطاعة لنا والمعصية عليهم:
(فإذا أحاط المرء علمًا بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم، علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض؛ جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديمًا وحديثًا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي طريقة متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقًا وإن لم يكونوا
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي وأبو داود عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم.
(3) رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم.