ولأن ترك الجهاد مع الفاجر؛ يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة"، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها ... ).
إلى أن قال رحمه الله:(فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا.
كما سُئِل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال:"أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر".
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وروي:"بأقوام لا خلاق لهم" [2] .
وإن لم يكن فاجرًا؛ كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده) [3] اهـ.
وقد قال ابن تيمية أيضا في كلام جامع عن هذه المسألة - وذلك في كلامه عن قتال التتار:"فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته ولإقامة دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب أيضا قتالهم دفعًا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر ... )."
(1) المغني مع الشرح الكبير، والآية من سورة البقرة: 251.
(2) رواه النسائي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه، ورواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه.
(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 28/ 254 - 255.