فقد أمرهم هذا الأمير بالدخول في النار، ولا شك أن هذه معصية وقتل نفس بغير حق، ومع ذلك فلم يوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد، ولا أخرجهم من الجند حتى يستكملوا التربية، ولا قال؛ مثل ما يقول هؤلاء.
وقد قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلًا في إحدى الغزوات، بعدما قال؛"لا إله إلا الله"، وأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إنكارًا شديدًا، وندم أسامة رضي الله عنه على ذلك ندمًا شديدًا، وما منعه صلى الله عليه وسلم من الجهاد بعدها.
بل كان أمير الجيش الذي جهزه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته.
فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أسامة، أقتلته بعدما قال"لا إله إلا الله"؟!) ، قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [1] .
وقد وقع من بعض الصحابة رضي الله عنهم بعض الهنات غير هذا، ولم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد بسببها، ولم يوقف الجهاد جملة حتى يتأكد أن القوم قد كملت تربيتهم، بل أنكر صلى الله عليه وسلم ما رأى وبلغه من ذلك، كل بحسبه.
فالتربية الإيمانية؛ تُمارس أثناء الجهاد، ولا يؤجل الجهاد من أجلها، فهي لا تنتهي إلا بموت العبد وبخروج روحه من جسده.
والقول؛ بتأجيل الجهاد، بحجة عدم اكتمالها، يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، فإذا كان قد وقع في القرون الفاضلة ما وقع، فهل يكون من بعدهم خيرًا منهم أو معصومين من المعاصي دونهم؟!
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم) [2] .
العدالة ليست شرطًا للجهاد:
ومن المعلوم؛ أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، وأنه يجوز للفاسق أن يخرج للجهاد إذا كانت منفعته للجهاد أعظم من مفسدة خروجه، وقد ورد في النصوص الشرعية؛ أن الشهادة تكفِّر الذنوب، فإذا كان لا يخرج للجهاد إلا من أكمل التربية الإيمانية
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي.
(2) رواه البخاري وتمامه عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: (اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم) .