وخلا من المعاصي والمخالفات؛ فأي شيء تكفره الشهادة إذن؟ ولولا الإطالة لذكرنا بعضًا من هذه النصوص، وحسبنا أنها معلومة مشهورة.
هذا، ولا يعيب طائفة من المجاهدين أن يكون بين صفوفهم بعض العصاة، إنما الذي يعيبها أن تقرهم على المعصية ولا تأخذهم بطاعة الله تعالى أمرًا ونهيًا، وقد كان المنافقون يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو.
والمقصود من هذا؛ أنه إذا وجد بعض العصاة في طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله، فإن هذا ليس بمبرر لترك الجهاد معها.
وقد اتفق العلماء على الجهاد مع البر والفاجر، وأن ذلك خير من ترك الجهاد جملة والذي يؤدي إلى استئصال شأفة الإسلام وضياع شريعته وذل أهله.
ولذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله: (فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه؛ خيرًا من العكس) [1] اهـ.
وقال الشاطبي رحمه الله مؤصلا هذه المسألة: (وكذلك الجهاد مع ولاة الجور، قال العلماء بجوازه، قال مالك:"لو ترك ذلك لكان ضررًا على المسلمين"، فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال؛ لم يعتبر) [2] اهـ.
وقد أنكر ابن حزم رحمه الله على من يقول بتأجيل القيام بالجهاد بسبب فسق بعض المجاهدين، فقال رحمه الله: (ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم، من أجل فسق رجل مسلم لا يُحاسب غيره بفسقه) [3] اهـ.
وفي وجوب الجهاد مع كل مسلم مهما كان حاله، قال ابن حزم رحمه الله: (وأما الجهاد؛ فهو واجب مع كل إمام وكل متغلب وكل باغ وكل محارب من المسلمين، لأنه تعاون على البر والتقوى، وفرض على كل أحد دعا إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام ومنع المسلمين ممن أرادهم، قال تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ... الآية} ، فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان، وبالله تعالى التوفيق) [4] اهـ.
(1) مجموع الفتاوى: 28/ 212.
(2) الموافقات: 2/ 51.
(3) المحلى: 7/ 300، ط دار الآفاق الجديدة.
(4) الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 4/ 137.