وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه سيأتي على الناس زمان يتصدر الإفتاء فيه من ليس بأهل له وأنهم يضِلُّون ويُضِلُّون.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [1] .
وهذا الجهل؛ إما أن يكون جهلًا بالحكم الشرعي الذي أنزله الله في كتابه أو شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون جهلًا بالواقع الذي يفتي فيه، فتراه يفتي بما لا يعقله ولا يعرفه أهل العلم والإيمان.
ولقد كلَّت الأسماع والأبصار من سماع وقراءة المقالات في شن الغارة تلو الغارة والتحامل على أولياء الله الذين يجاهدون في سبيله، ولقد عرف أهل العدل والإنصاف - الذين لم يمتلكهم خوف على منصب، ولا شح براحة وأمن موهوم، بل هم متجردون لإحقاق الحق وإبطال الباطل -؛ أن هذه الحملة الظالمة على المجاهدين ما هي إلا جزء من حملة طاغوتية على أصول الإسلام وثوابته سواء علم بذلك من قام بها أم لم يعلم.
ولقد قامت هذه الحملة الظالمة على عدة أسس، منها وصف المجاهدين بـ"التكفيريين" [2] و"الخوارج" [3] و"الغلاة" [4] - وهم الذين أقامهم الله لرفع رؤوس أهل الإسلام في هذا الوقت الذي كاد نجم الدين فيه أن يأفل وعراه أن تنفصم - وهي أوصاف تشوه سمعتهم، فعالمهم جاهل، ومجاهدهم خارجي، ومتبعهم تكفيري ضال! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(1) رواه البخاري، حديث رقم 98، ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة.
(2) هذا وصف دأب الطواغيت وأعوانهم من الكتَّاب والصحفيين على وصف المجاهدين به، تنفيرًا للعامة عنهم وعن دعوتهم، واستعمله متابعة لهؤلاء المجرمين، وللأسف جماعة ممن ينسبون إلى العلم وأهله، والمقصود به أن المجاهدين يكفِّرون عوام المسلمين الموحدينٍ!
(3) الخوارج جمع خارج، ولا يطلق ذلك إلا على من خلع الإمام الحق العدل وأعلن عليه العصيان، وسموا خوارج لأنهم خرجوا على الإمام الحق عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويسمون أنفسهم الشراة أي الذي يشرون أنفسهم من الله تعالى أي يبيعونها له تعالى، ومن أسمائهم المُحَكِّمة أو الحكمية، أي الذين قالوا؛ لا حكم إلا لله، عندما وافق الإمام علي رضي الله عنه على التحكيم درءًا للفتنة بين المسلمين، وللخوارج اعتقادات مخالفة لأهل السنة في باب الإيمان وبعض أبواب الفقه، ولم يكن بحمد الله تعالى بينهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قاتلهم الصحابة مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه.
(4) الغلو هو مجاوزة الحد والزيادة عن المشروع، وهذا وصف دأب هؤلاء المفترون على وصف المجاهدين في سبيل الله به ظلمًا وعدوانًا.