فهرس الكتاب
استخرجناه من وسط إحدى"التنورات"التي معنا وعلقنا عليه إحدى البطانيات القليلة التي أعطونا إياها كحاجز. وكان الحمام يحتوي أيضا على سخان كهربائي خصوا به مهجع النساء فقط، فلم تكن لمهاجع الشباب لاحمامات ولاسخانات ولا حتى صنابير ماء! ولكن ذلك كان سببا لكي يخرج الشباب مرتين أو ثلاث إلى"الخط"أو إلى الحمامات بعد كل موعد طعام، وأما باب مهجعنا فلم يكن بابه يفتح غالب الأوقات، ولم يكن له منفذ اخر غير فتحة تسمى نافذة اصطلاحا وهي في الحقيقة مجرد فراغ بين أعلى الجدار من الداخل قريبا من السقف وبوابة السجن الرئيسية من طرفه الآخر على مستوى الأرض فيها، وبين الجهتين ثمه طبقات من القضبان الحديديه والشباك الخشن والناعم إلى درجة لاتسمح حتى بمرور الهواء نفسه وتحجب وصول أي شعاع ضوء! ولذلك كنا في عز البرد نستغيث من الحرارة وانعدام الهواء النقي، ونرجوهم أن يفتحوا لنا طاقة الباب أو أن يأتوا لنا بمروحة تحرك الأ نفاس الراكدة على أقل تقدير، فكان السجان ياسين على الأخص يرفض أن يفتح لنا الطاقة لنتنفس، فإذا رجته إحدانا ازداد تعنتا وجعل يكرر كالآلة على مسامعنا عبارة واحدة أثيرة لديه: - هافي - أي لا توجد - طاقة. فتقول له الحاجة: طيب أحضر لنا مروحة أو أي شيء يمكن أن يغير جو الغرفة فإنا نكاد نختنق. فلا يجيب إلا بنفس الإجابة: - هافي طاقة. . هافي مروحة. . هافي باب! وكان يوم عيد لنا يوم أن سمحوا لنا بعد ثمانية أشهر من الإعتقال بالتنفس خارج جدران المهجع مرة أو مرتين في الأسبوع. . فيما لم يجيبوا طلبنا الثاني بشأن المروحة إلا بعد انقضاء أكثر من سنتين على الإعتقال. . وامتلاء المهجع بالنزيلات حتى غص بهن، وكدن من فرط المعاناة وشدة الإزدحام أن يقضين نحبهن!
الهمس ممنوع. . والزمن معدوم. . والشكوى مذلة!
كانت الأيام تمر بطيئة ورتيبة. . وبدأنا لذلك نعتاد أن ننسى الوقت ونغفل عن جريان الزمن! كنا لا نستطيع التفريق بين الليل والنهار ونصلي على التقدير. . ونحسب الأيام بتبدل دفعات السجانين وبتباعد تاريخ اعتقال كل واحدة منا، وأما ضوء المهجع الذي كان يشعل ويطفؤ من الخارج فكان يزيد تعميق الشعور لدينا بتساوي الليل والنهار. . وبالطبع فلم تكن النافذة لتسمع عمقهما وتعدد طبقات القضبان والشبك فيها بالاشارة إلى أي تبدل في المواقيت أو الزمان، علاوة على الظلمة التي تسود بطبيعة الحال في فصل الشتاء. وزيادة في إشاعة القلق الدائم والتوتر فينا لم يكن مسموح لنا بالكلام إلا همسا، ومجرد أن يسمع أحد العناصر صوت واحدة منا كان يخبط الباب بالكابل خبطة مرعبة وهو يصيح بنا أن نخرس أو أن نخفض الصوت! وعلاوة على ذلك كانوا إذا أرادوا مناداتنا لأمر ما خاطبونا باسم رجل لا بأسمائنا. . فكنت على سبيل المثال أنادى