فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 711

أحاديث عبر الجدار!

وخارج جدران مهجعنا كان لأكثرنا تسلية وتسرية من نوع اخر، فكنا نترقب وقت خروج الشباب بعد الإفطارإلى الخط فيقبل بعضنا إلى شق في طاقة بابنا تراقب ما يجري وتترقب بعضهن أن ترى أخا لها أو قريبا بينهم. . ولم تكن هذه هي الصلة الوحيدة بيننا وبين الشباب، فلقد اكتشفت البنات قبلنا وجود فراغ بسيط حول انبوب التدفئة بين مهجعنا والمهجع المجاور فطلبن من العناصر خرطوما بحجة استعماله في الحمام فأحضروه لهم، فمددوه عبر الفراغ وصرن يحادثن الشباب عبره أو يمررن لهم الماء من خلاله لأن المهاجع الأخرى باستثنائنا لم تكن فيها حمامات أو صنابير مياه كما قلت، ولم يكونوا يسمحون لأحد بطلب ماء أو الذهاب للحمام إلا في المواعيد. . ولقد حدث بعدها أن واحدة من السجينات الجدد متهمة بالتعامل مع العراق اسمها أم كامل فسدت علينا، فقام العناصر بسد الفتحة بالإسمنت، فلجأنا إلى التخاطب عبر الأ نبوب المعدني نفسه بالطرق عليه كإشارة أولى، وكانت الحاجة تتولىلحديث بعدها أغلب الأحيان لأن مكانها كان مجاورا للأنبوب، فكانت تنتظر هدوء الأحوال ونوم الحرس لتقرع على الأ نبوب وتحادث الشباب بصياح مكتوم تخفيه قدر ما تريد أن تبديه خشية أن يسمعها أحد من العناصر! وكانوا في تلك الفترة يتعمدون معاملة الشباب أسوأ ما يمكن، وينقلون دفعات منهم إلى تدمر كل يوم، وكان الشخص الموكل بذلك وينادونه أبا طلال يأتي قبل صلاة الصبح فيقرع باب المهجع الذي فيه المطلوبون بكلبشات يحملها بيديه ثم يبدأ بتلاوة أسمائهم واحدا بعد الاخر، وبعد أن ينتهي من سرد القائمة التي كانت تبالغ عشرين أو ثلاثين اسما كل يوم يصطف الشباب المساكين في الظلام فيكلبش كل اثنين منهم من أيديهما وأرجلهما معا. . فمنهم من يتجلد فيمضي، ومنهم من يصيح ويستغيث، ومنهم من يغمى عليه وقد أحس بدنو منيته، فيشحطون هؤلاء على أرض السجن إلى سيارة بانتظارهم كالذبائح تماما تقاد إلى المسلخ. . وربما استفرغ بعضم أو فعلها تحته من هول الخبر، فلا نستطيع ونحن نسمع هذه المأساة كل فجر يوم إلا البكاء والدعاء. . وكانوا كلما نقلوا دفعة إلى تدمرأتوا بثلاث أو أربع دفعات جديدة من المعتقلين مكانها! فكانت الزنزانات والمهاجع محشورة أيامها بالشباب حشرا، حتى لجأوا إلى استخدام الحمامات كزنازين في بعض الأحيان!

لوعة الام. . ومأساه الولد!

ولقد كان من عجائب مشاهدات السجن وقتذاك أن والدتي أخبرتني يوم لقائنا الأول في المهجع بأن أخي وارف سيغادر سورية حسب معلوماتها إلى لبنان، وسيخرج من هناك إلى بلد اخر ولن يعود، ويبدو أنه أخبرها بذلك حتى لا تقلق عليه وحسب، وحقيقة الأمرأنه كان لا يزال في سورية. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت