فهرس الكتاب
ففي يوم من الأيام صلت أمي التهجد ثم الفجر، وانتظرت فصلت الضحى ثم اتكأت لتنام على عادتها، فما وجدتها إلا وقد انتفضت فجأة من نومها تقول لي:- سمعت صوت مشي أخيك وارف في السجن! وكان السجن وقتها في غاية الهدوء، فالشباب عادوا من الخط. . والعناصر نائمة على الأغلب. . فلا تسمع أي حس. . فقلت لها: - ما هذا الكلام؟ لا يوجد أي صوت. . وتقدمت من شق الطاقة لأتأكد فوجدتهم يقودون أخي وارف بالفعلمن طرف سترته البنية التي أعرفها وقد طمشوا له عينيه وكبلوا يديه للوراء. . ورأيت حذاءه الرياضي الأبيض وحسين يسوقه ويقول له: - هيا إلى المنفردة. لكنني قلت لأمي وكأنني أحدثها من عالم آخر: لا أحد هناك. غير أن قلبي كان كأنما هبت النار فيه. . وغمرتني رغبة في البكاء وحاجة لإخبارأحد، لكنني لم أستطع فعل أي شيء أمام أمي. . وبعد فترة وعندما أضربنا إضرابنا الثاني وأخرجونا إلى المنفردات فعلا عقوبة لنا تصادف أن وضعوا أمي وأم شيماء في زنزانة واحدة معا، لى اذ بها نفس الزنزانة التي كان وارف معتقلا فيها، في تلك اللحظات كانت أمي تتصنع وأم شيماء البكاء لترققا قلوب السجانين علينا، لكنهما كانتا لا تكادان تتمالكان نفسيهما من الضحك. . فأخذتا منشفة ووضعتاها بين أسنانهما لإخفاء الضحكات، والتفتت أمي كأنها تريد أن تدق الباب على السجان فرأت على الجدار رسم مسجد محفور وقد كتب تحته بنفس الطريقة: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. . الشهيد محمد وارف دباغ. فانقلب البكاء الذي كانت أمي تتصنعه حقيقيا، وصارت تنادي عليهم تريد أن تعرف أين ولدها ومتى اعتقال. . لكن أحدا لم يجبها. . وظلت تعذبها الظنون وتقتلها الحيرة ولا من مجيب. . وتبين لي فيما بعد أنهم اعتقلوا وارف وغسان أول مرة في حماة وأفرجوا عنهما بعد أيام دون أن يثبت شيء على أي منهما، ثم كان اعتقال وارف الثاني واحضاره إلى كفر سوسة والإفراج عنه من غير أن يدان بشيء أيضا، وعندما استشهد بعد مدة استدعى المقدم ماجدة وقال لها ضمن ما قال:- أمسكناه في المرة الأولى لما ظننا أنه مجرم، فلما تبين لنا أنه بريء أخرجناه. . وفي المرة الثانية ظنناه بريئا فأطلقناه أيضا ولكنه طلع مجرما غرر به أخوه فنال جزاءه بعد ذلك. . وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين!
نصف بلاطة للنوم!
وتستمر معاناة السجن وتزداد. . ووجدتني بعد فترة في المهجع قد ابتليت بالام شديدة في ظهري حتى لم أعد أستطيع رفعه، وترافق ذلك مع حالة تقيؤ مستمر واسهال. . حتى كدت أموت يومها بالفعل! كان نومي وقتها بجانب أنبوب السخان المركزي الذي كان عاطلا عن العمل بالطبع فلا نتلقى منه إلا برودته ورطوبة الماء المتكثف عليه، ولم يكن لي خيار في المكان لأ ننا كنا لازدحام