فهرس الكتاب
المهجع لا يكاد يجاوز نصيب الواحدة منا وقت النوم أكثر من نصف بلاطة وحسب، ولو أرادت إحدانا أن تتقلب لاستدعى ذلك تحريك المهجع بأكمله لم أحس بالبرودة في البداية، لكنني وجدتني فجأة لا أقدر على تحريك ظهري مع الأعراض المؤلمة الأخرى التي ذكرت. . فقامت البنات يطرقن الباب جميعا ويسألن العناصر أن يحضروا طبيبا لعلاجي لكنهم لم يجيبوا، فطلبت الدكتورة عائشة منهم طستا من البلاستيك أحضروه لها بعد إلحاح وطول رجاء، فجعلت تعمل لي مغاطس ماء ساخن متتالية خفت عليها الأوجاع بحمد الله بعد يومين.
اضراب جديد
ومرت الأيام، وفي كل يوم كانت لنا قصة جديدة وتجربة وعبرة. . وكانت أمي لا تفوت فرصة تحقق لنا فيها بعض السلوى أو تؤرق فيها السجانين والعناصر إلا واغتنمتها، وباتت سياسة واضحة عندها أن تبتكر مطاليب لنا أو باسمنا تحقق منها إحدى الغايتين أو كلاهما. . وذات يوم وبعدما رأيناهم سمحوا لمنيرة بتقديم امتحان الثانوية خطر على بال بعض البنات المطالبة بالمثل، فكتبن إلى رئيس الفرع يسألنه السماح لنا بالكتب الجامعية التي ندرس بها وبتوفير جو ملائم للدراسة. . وبالطبع قوبل الطلب بالرفض والسخرية والتقريع، فاقترحت أم شيماء أن نضرب عن الطعام حتى يستجيبوا، وسرعان ما شجعتها أمي وأيدت أكثريتنا الفكرة، فلما أتوا بطعام العشاء رفضنا استلامه. سألونا: - لما ذ ا؟ قلنا: مضربين. -السبب؟ أجبنا: نريد أن نقدم امتحاناتنا أيضا. رد العنصر ابراهيم: إذا لم تأخذوا العشاء فسنأخذكم إلى المنفردات. فأجابته أمي: سيكون أحسن. . ستتنفس كل واحدة لوحدها على الأقل! أغلق ابراهيم الباب بلؤم وذهب ليعود بعد قليل بضحكة صفراء يقول: - المعلم - أي رئيس الفرع يريدكم أن تتجهزوا لننقلكم إلى المنفردات بعد نصف ساعة. وبالفعل لم تمض الفترة التي تحدث عنها حتى حضر وأخذ كل اثنتين منا إلى زنزانة من المنفردات، فوضع أمي وأم شيماء في واحدة، وماجدة وعائشة في أخرى، ووضعني وفوزية حجازي في الثالثة، وأما الحاجة مديحة فسألها ساخرا: - وماذا عنك أنت؟ ألن تقدمي الثانوية أيضا؟ فأجابته: أبوي. . أنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة! فتركها في المهجع. . وبقينا بضع ساعات شاهدت أمي خلالها اسم أخي وارف على الجدار فازدادت ثورتها وعلا صياحها. . ولم يلبثوا أن أعادونا إلى المهجع اخر الليل، ولم يستجيبوا لطلبنا بالطبع، لكننا كنا سعداء بهذا الأثر الذي تركناه والحركة التي أحدثناها رغم كل الضغوط والترهيب.
رصاص بعد منتصف الليل!