فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 711

المحارم دستها أمي في كم سترتها، وأخذت تعانقنا وتقبلنا وتدعو لنا وندعو لها وخرجت. . ولم تكد تبلغ الباب عند السلم وهي تستحلف العنصر أن يخبرها بموعد خروجنا لى اجابته الساخرة ورجاؤها المتكرر يبلغ مسامعنا فيزيدنا ألما وحسرة حتى انفلتت من بين يديه وقفلت راجعة، ففتحت طاقة الباب وسألت بسرعة تقول: - نسيت هؤلاء الشباب جيراننا من بيت من كانوا؟ ولم نكد نخبرها حتى كان حسين قد وصل إليها فأمسكها من ياقة جلبابها وجذبها مغلظا لها في الكلام. . وهي ترد عليه الكلمة بأخرى والعبارة بأشد منها حتى خرجت. . وكانت اخر مرة أراها فيها رحمها الله. وأما رسالة ماجدة فعلمنا بعدها أن أمي توجهت أولا إلى بيتنا في دمشق الذي اعتقلنا فيه وقصت أخبارنا على البنات اللاتي كن معنا فسألنها أن يرين الرسالة، لكنهن اجتهدن أن ينقلنها على ورقة عادية خشية أن تتمزق المحرمة، فلما ذهبت أمي بها إلى أهل ماجدة لم يصدقوها لأنهم رأوا الخط مختلفا. . وظنوا وقد فقدوا الأمل بابنتهم أنها إنما تسري عنهم وحسب، وظلوا في شكهم حتى فتحت الزيارات في سجن قطنا بعد سنين فرأتهم هناك ورأوها بعد طول فراق.

معززات مكرمات!

وتم الإفراج عن أمي في السادس عشر من شباط. . وتأكد لنا الخبر حينما استدعى المقدم ماجدة بعد أسبوع تقريبا لأنها قدمت طلبا له تسأل فيه حلا للوضع، فقال لها بكل صلافة واستعلاء: - انظري. . لا توجد أحسن من جلستكن هذه أبدا. . أنتن هنا معززات مكرمات. . ومثل هذا الفرع لن تجدوا! وأضاف يقول: هذه أم هبة أخرجناها فجلست هنا على الباب فترة طويلة تبكي ولا تعرف كيف تتصرف حتى أعطيتها أجرة الطريق من جيبي أنا. . وبالتأكيد كان ناصيف يكذب لأن أمي ظلت جالسة عند الباب ترفض التحرك قبل أن تعرف مصيرنا وتأمل أن تسمع قبل ذهابها ولو إشارة بقرب الإفراج عنا وإلى أين ستتجه الأمور، لكن الإفراج لم يتم. . وسارت الأمور من سيء إلى أسوأ، فلم تلبث أن انضمت دفعة جديدة من المعتقلات إلينا. . لتنفتح علينا قصص أخرى من الماسي والآلام. . ونبدأ فصلا جديدا من الكرب والمعاناة.

مزيد من الضيو ف. . مزيد من المآسي!

لم تكن يومان أو ثلاثة من الإفراج عن أمي قد انقضت حينما قرع علينا أبو عادل مدير السجن باب المهجع ضحى ذلك اليوم ودفع إلينا بسيدة تضع منديلا أسود انقلب لونه من الأعلى إلى الصفار الباهت. . وترتدي بالطو من الجوخ الأسود أيضا وتحمل في يدها بقجة جمعت فيها حاجياتها كما يفعل الشحاذون تماما! أطلت ثم ارتدت للوراء لبرهة كانت كافية أن نلمح هيأتها الرثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت