فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 711

ورعبهن رعبا. . فلما وصلن إلينا كن في غاية التوتر والإجهاد. . لكن دقائق تالية مرت كانت كافية لتغير الحال. . ولتفتح كل منها جعبتها وتروي قصتها في رحلة الآلام.

تحويشة العمر!

كانت الحاجة رياض من النساء الطيبات البسيطات، خرجت من المدرسة في الصف السادس ولم تكمل تعليمها، ولم تتزوج رغم بلوغها الأربعينات، لكنها - كالحاجة مديحة - من أسرة متدينة وأخت لأشقاء ملتزمين كانت لديهم منجرة في حلب ففتحوا فيها مخبأ للملاحقين قبل أن تنكشف فيعتقل واحد منهم ويهرب الآخر إلى عمان، وفي مرة كانت الحاجة رياض ذاهبة إلى هناك لتزور أخاها في عمان قدمت لها إحدى السيدات بعض المال لتوزعه على أبناء الشباب الذين أعدموا ولا يكادون يجدون في هذا الظرف الصعب معينا أو مصدرا للكسب، وبالفعل أخذت رياض المبلغ ووزعته كجزء من واجب أحسته نحو هؤلاء المساكين، لكن اعترافا أتى عليها لا تدري من أين فاعتقلوها وجعلوا يعذبونها أشد العذاب، وبعدما فتشوا بيتها ولم يجدوا شيئا جعلوا يهددونها لتخرج النقود التي أحضرتها من عمان، لكنها كانت قد وزعت المبلغ كله، فزادوا عليها التعذيب حتى اضطرت أن تخبرهم عن مبلغ من المال كانت قد جمعته على مدار حياتها وخبأته للطوارئ تحت أحد الكراسي، فأعطتهم إياه مرغمة لتنجو بنفسها، وكانت كلما تذكرت ذلك بعدها تبكي وتقول للحاجة مديحة بحسرة: - أخذوا تعبي وعرق جبيني يا حاجة وعملوهم من الإخوان. . إي ولي على الإخوان وساعتهم! وكانت تنشد أحيانا بين الحسرة والطرافة تقول: - إلهي قد غدوت هنا سجينا. . لأني وزعت مصرات الإخوان المسلمينا إ! وروت الحاجة رياض عن تعذيبها الأهوال بحق، فلقد تمت تعريتها مثل أكثر المعتقلات بحلب، وجعل عمر حميدة يسحبها من شعرها على الأرض فيرتطم رأسها بالأرض والجدار، مما تسبب في كسر عظمة أنفها. . وأصابها بعسر دائم في التنفس، فكانت المسكينة بعد ذلك دائمة التشخير. . وزاد حميدة على ذلك العذاب الوحشي فسلط على وجهها خرطوم ماء شديد لتصحو من الإغماء فخرق لها طبلة أذنها، وكان من المضحكات المبكيات أنها اعتادت بعد ذلك أن تنام على أذنها السليمة فلا تعود تسمع شخيرها الذي كان يؤرق نوم المهجع كله، فنضطر إلى إيقاظها آخر الأمر لتعدل من وضعي

الفصل الثالث

سجن قطنا، الموت البطيء

أكتوبر 1982 - 1985

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت