فهرس الكتاب
سجن قطنا، الموت البطئ
أخذت السيارة تنهب الأرض نهبا وتكاد في كل انعطافة لها تلفظنا إلى الخارج لولا أن تتلقانا القضبان الصماء تارة وأجساد بعضنا البعض المنهكة تارة أخرى. . وفيما جلس اثنان من الحرس بيننا وبين حجرة القيادة واثنان اخران بين القفص الذي أغلق علينا بإحكام والباب الخلفي مدججين كلهم بالسلاح، بقي أبو طلال في المقدمة بجوار السائق وحده. كنا أنا وماجدة وأم شيماء والحاجتان ومنتهى وايمان ورغداء ومنى وحليمة وأم محمود وأمل. . وفي بداية المشوار الذي استغرق قرابة الساعة أصابني الدوار، فلما تلفت لأستنجد بأحد حولي وجدت أكثر البنات مغمى عليهن! فقد اجتمع علينا الجوع والإرهاق والرعب والهم. . وكانت شهور قد مضت علينا لم نركب فيها سيارة ولا سطعت علينا الشمس بهذا الطول. . وأما أنا وبعد أن بدأت استعادة وعيي حاولت أن أحرك يدي في القيد فشد عليها أكثر، فلما حاولت تخفيف هذا الضغط ازداد واشتد حتى ازرقت أناملي وأحسست أنها ستنقطع! ولم نلبث وقد بلغ الكرب مداه أن توقفت بنا السيارة عند حاجز للشرطة المدنية، وتقدم أحدهم ففتح الباب الخلفي لبرهة وكأنما أرادوا أن ينزلونا. . وقتها استطعت أن ألمح قوسا معدنيا فوقنا مكتوب عليه بخط عريض"سجن قطنا المدني"لكن الباب عاد فأقفل، وعادوا فساروا بنا إلى الداخل ليتوقفوا عند باب اخر جرت عنده كما تبدى عملية التسليم والإستلام، وبعد انتظار ربع ساعة تقريبا ريثما سلموا الأوراق واستلموها جاء أحد أفراد الشرطة ففتح باب السيارة ودعانا للنزول. كنا لا نزال كالخارجين من القبور لا نستوعب ما يدور ولا نقوى من الإعياء أن نتحرك. . وأذكرأنني سحبت نفسي سحبا وجاء الشرطي فأسندني ثم أمسكني من يدي وأنزلني. . وارتمينا جميعا من فورنا على الأ رض وافترشناها كالشحاذين! فيما تحلق بعض رجال الشرطة حولنا يتهامسون ويحوقلون، وأخذ آخرون يطلون من شبابيك المخفر علينا وكأننا مخلوقات من كوكب اخر!
كان منظرنا محزنا مثلما كان غريبا ورهيبا. . فالوجوه مصفرة من الهزال باهتة من اعتياد الظلمة والبعد عن ضوء الشمس، والثياب رثة ممزقة تراخت فوق أجسادنا المنحولة وقد تغيرت ألوانها واختلطت الرقع عليها فكادت أن تغطيها. . وفوق ذلك كنا لا نزال مقيدات الأيادي نتحرك - إذا استطعنا - أزواجا بالكلبشات! وتبين فوق ذلك أن أبا طلال قد نسي مفاتيح الكلبشات في كفر سوسة عمدا لا ندري أم سهوا، فتركنا على حالنا في القيود فوق الرصيف ومض ليحضرها. . لكن وما أن تحركت سيارة المخابرات حتى أقبل الشرطة علينا يدعوننا للدخول إلى غرفتهم إكراما لنا، ولما لم نقو حتى على الإنتقال سحبونا سحبا وأجلسونا هناك في انتظار عودة أبي طلال