فهرس الكتاب
بالمفاتيح. كانت غرفة الخفر بسيطة المحتويات تضم طاولة مكتب وخزانة السلاح وبعض الكراسي، وكان العناصر يطلون من الباب بين الحين والآخر ينظرون إلينا نظرات يختلط الإشفاق فيها بالإستغراب، ولا تالبث أن تدمع عيونهم ويبكون مثل النساء! وأقبل واحد منهم في الخمسينيات من عمره وحاول أن يفك الكلبشات من أيدينا مرات عديدة فلم يستطع. . فجعل يواسينا والدموع تسيل على خديه ويقول: اطمئنوا أخواتي اطمئنوا. . الان ستنتقلون إلى الداخل وتعيشون عيشة طبيعية من جديد. . وجعل يشير من النافذة ويقول وهو لا يتمالك نفسه من البكاء: انظروا. . يوجد أولاد هناك. . وشجر. . ونسوان. . هناك واحدة من حماة اسمها غزوة. . وهناك غيرها فلانة وفلانة، يالله إن شاء الله الآن تتنشطوا وتعودوا إلى حياتكم الطبيعية. . وعندما لمحت أم محمود ولدا هناك تنهدت وقالت له: وهل إذا وجدنا أولادا هنا سيعوضوننا عن أولادنا؟ فقال لها: منشان الله. . والله إن شاء الله سيأتي أولادك وترينهم وتطمئني عليهم. . ومض الرجل الطيب مسرعا فأحضر لنا شايا نشربه ونحن لا نكاد نصدق ما يجري، ولم يلبث مدير السجن المساعد أبو مطيع أن جاء مع وصول أبي طلال بالمفاتيح بعد قرابة الساعتين، ففك لنا الكلبشات واحدة بعد الأخرى، ومن غير أن يقول لنا أية كلمة مضى بالعناصر والسيارة. . فيما أخذ أبو مطيع يهدئ من روعنا ويؤكد لنا أن هذا المكان مختلف جدا، ولن يكون هناك أي تعذيب ولا خوف بعد اليوم. . ودخل إلى منطقة المهاجع ونحن نتبعه، فلما دخلت أولانا - وكانت أم شيماء - وجدنا السجينات جميعا هجمن عليها يعانقنها ويحملنها إلى المهجع حملا. . وهي تناديهم ولا يسمعون ترجوهم أن يتركوها لتمشي بنفسها. . والذي تبين أن أبا مطيع دخل على السجينات وأخبرهن بأن نساء خارجات من أحداث حماة أتين إليكن. . منهن المكسورة والمجروحة والمصابة،. وهن في أسوأ حال. ولم يكن الرجل متصنعا ولا كاذبا وقتها، وظننا كذلك فعلا نتيجة الحالة المزرية التي كنا عليها بعد ثلاث سنوات من العيش في قبو لا يشبهه من بقاع الدنيا شيء إلا حفرة القبر!
أحكام شكلية: عشر سنوات فقط!
كان سجن قطنا عبارة عن بناء حجري أشبه ما يكون بالبيوت العربية القديمة تتوزع الغرف فيه على محيط باحته، وتفصل بين هذه الباحة وبينهم القضبان الحديدية فتجعل من كل حجرة مهجعا مستقلا بذاته. وعلاوة على مهجع مخصص من قبل للسجينات السياسيات كانت المهاجع الأخرى موزعة حسب القضايا التي حبست السجينات على ذممها، فثمة مهجعان للمتهمات بالقتل، وآخر للحشيش والمخدرات، والرابع للدعارة. . وثمة غرفة خامسة أشبه بالزنزا نة المنفردة كانت والدة مهدي علواني الذي أعدم مع مجموعة من الشباب في أواخر عام 79 مسجونة فيها وحدها