فهرس الكتاب
ضحايا!
كانت حياة السجن في قطنا مختلفة عن سابقتها بكفرسوسة لا ريب، والميزات والتحسن الذي وجدناها نعمة كبرى، لكن السجن يظل في كل الإعتبارات هو السجن. . والقيد قيد حتى ولو كان من ذهب. . وبعد أن يفقد الإنسان في السجن طعم الحرية تمتد بين ناظريه من ثم قائمة أطول من أن تعد من أصناف المشاكل والالام والمعاناة المتنوعة. . وعلى العموم كنا في النتيجة مجبرين على التكيف والتعايش. . نحاول كلما ضاقت علينا الحال أن نجد منفسا جديدا يعيننا ويهون علينا الخطوب. لم نكن نختلط في البداية مع السجينات القضائيات لأن الأبواب كانت تفتح لنا بالتناوب، مجموعة في الصباح والأخرى في المساء ثم يعكسون الآية في اليوم التالي، لكننا كنا نتكلم معهن من وراء القضبان ونستمع إلى قصصهن فنجد في ذلك بعض التسلية والترويح. . وكنا ننصحهن أحيانا ونريهن أغلاطهن، لكننا وجدنا الكثيرات منهن كن ضحايا سوء تربية الأهل أو ظروف السوء التي أحاطت بنشأتهن. ولقد نجحنا ذات مرة في المساعدة على استنقاذ إحداهن من واقعها السيىء ومستقبلها المظلم، فنتيجة لخلاف معهم قام أهل هذه الفتاة بطردها من البيت بلا رجعة، فلم تجد من يؤويها إلا امرأة قوادة أخذتها إلى بيتها ومضت بها في هذا الطريق، فلما أحسسنا أنها ضحية تدفع ثمن سوء تصرفات الغير سعينا للإتصال بباحثة اجتماعية كانت تأتي ضمن مجموعة من الباحثات لتعمل وسط السجينات، وعلى الرغم من أن الإتصال كان محظورا بيننا وبين هؤلاء الباحثات أو حتى مع طلاب الحقوق الذين يحضرون دوريا لدراسة حال السجن والسجناء القضائيين، إلا أننا وفقنا في الإتصال معها بطريقة ما، وبعدما أطلعناها على رأينا ومعلوماتنا تفاعلت الباحثة معنا ومع السجينة، ولم تلبث أن أخذتها إلى المحكمة وعالجت لها وضعها هناك ووجدوا لها من ثم شابا زوجوها إياه.
القروانة!
وإذا كان المقام هنا هو الحديث عن مواصفات سجن قطنا فإن من الطريف الإشارة إلى وضع الطعام الذي كنا نتناوله في هذا المنزل الجديد! فلقد كانت الوجبات الرئيسية تأتينا من سجن القلعة بحلل أو صواني معدنية، لكن"القروانة"ما كانت تصل إلا وقد كدنا نموت كلنا من الجوع. . فلقد كان على السيارة أن تقل السجينات القضائيات إلى المحكمة وترجعهن وتأتي بالطعام في الطريق. . فإذا وصل أنزله الشرطة في باحة السجن وفتحوا للسجينات ليتجمعن ويتوزعنه بينهن. . لكن المشاكل والخناقات سرعان ما كانت تندلع: وضعتي لها أكثر. . وأقل. . ونريد هذه أن توزع لنا. . ولا نريد تلك. . ولا ينتهي الأمر إلا وقد تفرقت القلوب واشمأزت النفوس. . فلما