فهرس الكتاب
علي وقتها ويستغثن بي، لكن الأبواب كانت مقفلة علينا جميعا، فجعلنا ننادي بدورنا على السجانة أم ديبو لتفعل شيئا، لكنها لم تكن ترد علينا في العادة بعد إقفال المهاجع ولا تستجيب. . فلما وصلت ألسنة النار إلى ساحة السجن وغطى الدخان المكان كله وكاد الحريق يطال أشرطة الكهرباء وأوعية الغاز في المطبخ المجاور. . قرعت أم ديبو جرس الإنذار آخر الأمر. . وحضر العناصر يحاولون في ظلمة الليل تبين مصدر الحريق دون جدوى. . وفي النهاية وأثناء الهرج والمرج قامت إحدى سجينات المهجع نفسه فأطفأت ببطانيتها النار عن السجينة التي شبت بها النار وعن المكان. . لكن الناركانت قد التهمت جزءا كبيرا من جسد فاطمة فأسلمت الروح بعد أسبوع. . وكان أنين المسكينة طوال ذلك وهي في غيبوبتها يمنعنا النوم ويزيد من عذابنا النفسي. . ورائحة لحمها المتقيح تزكم الأنوف وتزيد في معاناتنا وألمنا. . وأما المرة الثانية فكانت في مهجعنما نفسه عندما اندلعت النار في"البابور"أثناء استحمام واحدة من البنات، فقامت من اضطرابها بقفل الباب بدلا من فتحه والتجأت إلى الزاوية التي تقابله من الحمام، فصارت النار بينها وبين الباب وكادت الأخرى تحترق، لكن لطف الله تداركها وتداركنا. . فاضطررنا إلى كسر القفل، ودخلت ماجدة جزاها الله خيرا فحملت البابور لا تبالي بالنار المشتعلة فيه، فأخرجته إلى العتبة وألقته هناك، واحترقت يدها بسبب ذلك.
رحمهم الله!
واذا كانت ميزات سجن قطنا المدني الإيجابية لا تعد قياسا بكفر سوسة، إلا أن السماح بالزيارات كانت في طليعة ذلك كله. ولقد تنعمنا في فترة من الفترات بحرية المراسلة، فكتبت إلى بيت أخي بحلب وبيت عمتي وحتى أم شيماء بالسعودية. . وكنت أتلقى البريد منهم جميعا، لكن ذلك لم يدم أكثر من شهرين أو ثلاثة ثم عاد نظام الرقابة الصارم على الرسائل وعلى الكتب والمطبوعات، فيما استمرت الزيارة الأ سبوعية كل يوم جمعة ولم تتوقف. كان الاهالى يتوافدون من شتى المحافظات الى سجن قطنا منذ الفجر يترقبون ساعة اللقاء. . وبعد أن يتجمعوا على البوابة ساعات طوالا ويعن على بال المسؤول يومها السماح لهم بالدخول يكون النهار قد انتصف عى أحسن الأحوال. . فيسوقونهم إلى قاعة الزيارة كأول خطوة، وبعد أن يتم تفتيش"الزيارات"أو الهدايا والأغراض التي جلبها الزائرون فيستبعد ما قد يخالف التعليمات أو لا يوافق هوى العنصر القائم على التفتيش، ويجاز المسموح أو ما يمكن أن ينال العنصر نفسه نصيبا منه أو عطاء عليه. . بعد ذلك يطل الزوار علينا وبيننا وبينهم حاجزان من القضبان بينهما ممر يبقى رجال الشرطة يتسكعون فيه يراقبون أحاديثنا ويتدخلون فيها بعض الأحيان وفينا إ! وكانت ليلة لا توصف ونحن ننتظر أول يوم جمعة