فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 711

بعد وصولنا لنطلب من أهالي السجينات قبلنا الإتصال بأهالينا وإخبارهم بانتقالنا وبمكاننا، فلما حضر أهل غزوة حينها رجوتهم أن يفعلوا ذلك مع أهلي لعلهم يحضرون الجمعة التالية، ولم أكن أعلم أن أحدا منهم لم يعد على قيد الحياة وأنهم قد قضوا نحبهم قبل حوالي ثمانية أشهر في أحداث حماة، لكن أهل غزوة كانوا يعلمون بالطبع، علاوة على أن والدتها نفسها استشهدت في الأحداث، لكنهم عادوا في الأسبوع التالي واعتذروا بأنهم لم يعرفوا مكان أهلي بعد التغيير الكبير الذي حصل في المدينة. . وجعلوا يحدثونني عن الأحداث ولكن أحدا لم يذكر شيئا عن أهلي وعائلتي. . وفي الزيارة التالية حضر أهل رفيقتي سناء فرجوتهم أن يذهبوا إلى دار عمتي في دمشق ويخبروها بانتقالي، فلما اجتمعوا معها وعلموا أخبار أهلي منها أشفقوا علي ولم يثاؤوا إخباري، وأجابوني في زيارتهم التالية أنهم لم يستدلوا على البيت، وفي الزيارة التي تلتها قالوا أنهم ذهبوا فوجدوها مريضة ولم يسالموها عن أهلي، وبدأت أحس أن في الأمر شيئا غيرطبيعي، فلما ذهبوا قلت لسناء مواجهة: - تعالي لأقول لك. . أمك ذهبت إلى عمتي وعمتي قالت لها شيئا. . فماذا هناك؟ هل مات أبى فلم تتمالك نفسها وردت بصوت خافت: الله يرحمه. قلحت: الله يرحمه. . إذا كان مات فالله يرحمه. فقالت لي: هكذا بكل سهولة الله يرحمه؟ قلت لها وكأن ألم السجن يسهل على الإنسان كل شيء: الله يرحمه. . ماذا يمكن أن أفعل له إذا مات؟ لو نطحت رأسي بالجدار فلن يرجع! فوجدتها تبكي وبقايا كلام لا تزال على شفتيها، فقلت لها: هل مات أحد اخر معه؟ فأشارت لي نعم برأسها. قلت لها: أمي ماتت؟ قالت: الله يرحمها. صحت: ولي. . وأين إخوتي إذا؟ فقالت لي: ذهبوا مع أمك. . لم ترض بأن تتركهم فأخذتهم معها! قلت لها: بماذا تخرفين. . هل تمزحين؟ كل إخوتي ماتوا! قالت: إي كلهم. . الله يرحمهم. . أليس ذلك أحسن من أن يبقى أحد منهم وينشغل بالك عليه! قلت وأنا كمن يتخبط في كابوس مرعب: إي طيب خلاص. . لا تزيدي. وما عدت أريد أن أفهم أي شيء أو أسمع المزيد. . ولم تلبث عمتي وعمي أن حضرا في الزيارة التالية فلفت نظري أن وجدتها تلبس السواد وساكتها مستغربة: -عمتي. . لماذا تلبسين الأسود؟ فقالت لي: هيك والله جاي على بالي الأسود! قلت لها: هل توفيت جدتي؟ قالت لي: لا. قلت: إذا لماذا تلبسين الأسود! غمزني عمي بطرف عينه لأغير الموضوع، لكنني لم أتمالك نفسي وقلت له: -عمي. . لماذا تغمزني! هل هناك شيء؟ قال لي وهو لا يريد إعادة القصة أمام عمتي التي صدمت جدا بما حدث: -لاشيء. . للأشيء حدث. فقلت لها من جديد: صحيح لماذا تلبسين الأسود؟ ترى نقز قلبي! فابتسمت لي ابتسامة حزن وابتدرني عمي بقوله: - كيف تسالينها هذا السؤال. . ألا تعرفين الخبر؟ قلت وكأني عدت إلى ذاكرتي تلك اللحظة وحسب: نعم. . عندي خبر بأن أهلي استشهدوا، لكن أنا أسالها لماذا هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت