فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 711

لابسة الأسود. . ولم يخطر لي أنها تلبسه على أهلي. . ونسيت أنها متشحة بالسواد حزنا على بيت أخيها! فقال لي عمي وهو يراني أمامه أتصرف ببلاهة: إي حزنانة على أهلك. . هل فهمت! قلت لها: أنظري، إذا مرة ثانية ستأتين لابسة أسود لعندي فلا تأتي. . لأن الشهيد حي مو ميت، واذا أردت أن تحزني عليهم لأنهم أحياء فلا تأتي لعندي.

وشاب الشهود!

كانت العبارة قاسية على عمتي، لكن الحالة كانت أقسى على نفسي وأشد، ورغم أن عمتي انفجرت وقتها في البكاء وأخذ عمي يهدىء من روعها فما سكتت إلا بصعوبة، إلا أنها تفهمت حالتي لا ريب، ولما عادت في المرة التالية أتت وقد غيرت السواد بالفعل. . لكنني لم أسمع قصة أهلي بالتفصيل إلا من أم ماجدة التي حضر والدها أول مرة فلم تكد تعرفه من الشيب الذي غطى رأسه والكرسي المتحرك الذي أقعده نبأ اعتقالها عليه، فلما تأكدت أنه أباها جعلت تقفز من فرحتها وقد عقدت الفرحة لسانها فلا تستطيع الكلام، فلما استدركت نفسها قالت لأبيها وكأنها تعتذر: - والله ما عرفتك. . تاري شايب. . فقال لها: والله شيبتيني يا بنتي! وكان والدها حزبيا ضد الإخوان فتوقعت أن تكون لديه ردة فعل ضدها أيضا، لكنه لما راها أول ما حضر بكى وهو يقول: - انظري. . أنا ات ورافع رأسي ولي الشرف والحمد لله. وفي الزيارة التالية حضرت أم ماجدة فكانت فرحتنا معا بها لا توصف، وأبلغتني أم ماجدة أول ما أبلغتني باستشهاد أخي وارف، وقصت علي القصة من بداياتها، فقالت بأن الخابرات كانوا بعد خروج أمي من السجن قد استبقوا كمينا في بيتنا وفي ظنهم أن إخوتي سيأتون للسلام على أمي بعد خروجها فيعتقلونهم، فلما لم يجدوا جدوى من ذلك ولم يحضر أي منهم جعلوا يعتدون بالتعذيب على أبي، فيخرجونه بين فينة وأخرى إلى حديقة كبيرة كانت أمام بيتنا على طرف العاصي ويعذبونه أمام الناس فيها، فيضربونه مرة، ويحرقون له ذقنه مرة، ويجرجرونه في الشارع أخرى، إهانة وإذلالا له وتخويفا لغيره. . وكانت أمي تخرج عليهم وهي تصيح وتدعو، فيقول لها مسؤول الدورية: - سلمينا أولادك لنكف عن زوجك ونعطيك ابنتك. . فترد عليه بتحد كعادتها: سلمني إياها بيدي. . حتى أراها بعيني وأمسكها بيدي لأقول لك أين بقية أولادي، لكن والله طالما أنها غير موجودة أمام عيني فلن تأخذ شيئا ولو قتلتني. ثم كانت الفاجعة التالية حينما استشهد أخي وارف في حلب (وكان عمره 18 عاما وحسب) أثناء مداهمة بيت أوت إليه مجموعة من الملاحقين كان من بينهم وذلك قبل 16 يوما فقط من استشهاد أهلي، وبرغم الفاجعة فإن أمي اثرت أن تكتم الخبر عن أبي وهو بحالته تلك فكانت تذهب عند أم ماجدة وتخرج صورة وارف هناك وتبكي عليها ما شاءت حتى تطفىء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت