فهرس الكتاب
حرقة قلبها فتعود إلى البيت. . لكن ذلك لم يمنعها أن تحاول زيارتي في السجن بأي وسيلة، ولم تمنعها النوازل أن تمضى إلى كفر سوسة مع أم ماجدة مرة فتقابل ناصيف من جديد وتساس إذنا بزيارتي، فكان كل الذي أجابها به: - والله آسفين، هذا الإسم غير موجود عندنا! فكادت أمي - كما روت لي أم ماجدة أن تجن. . وعندما تركت مكتبه وقفت أمام نافذة مهجعنا المطلة على ساحة الفرع الداخلية والتفتت إلى أحد العناصر من لهفتها تساله راجية أن يخبرها ولو بإشارة من طرف عينه إن كنت لا أزال هناك أم لا، لكنها لم تحظ حتى بتلك الإشارة وغادرت ملوعة القلب دون أن تراني أو تسمع عني أي شيء. . وظلت وظلوا جميعا على حالتهم تلك حتى كانت بداية الأحداث في حماة.
شهداء أحياء
كنا لا نزال في سجن كفر سوسة حينما تفجرت أحداث حماة الشهيرة في شباط 82 لكننا في عزلتنا المفروضة وقتذاك لم نسمع بأدنى خبر عنها، وعلى الرغم من تسرب بعض الأنباء لبعض البنات بيننا إلا أن المقدم ناصيف حذرهن أشد التحذير من أن يتحدثن عنها أو أن يعلمنني بشيء عن مصيرأهلي، فلما نقلنا إلى قطنا بدأ الخبر يصل إلي والقص التي لا تصدق والفاجعة الرهيبة تبلغني من هنا وهناك، فلما حضرت أم ماجدة روت لي المزيد من تفاصيل ما جرى وخاصة فيما يتعلق بأهلي رحمهم الله، وقالت بأن البداية كانت حينما رأت في منامها أن إخوتي الصغار ينامون على سرير واحد ولكنهم غارقون في الماء، وأحست أنهم برغم غرقهم فقد كانوا يتمايلون في الماء الصافي وهم أحياء. . ثم رأت أمي تدخل وترقي عليها فتنقسم في حجرها إلى قسمين. . فلما استيقظت حدثها قلبها بأن أهلي في خطر، فقامت من فورها ورجت زوجها أن يذهب ويستطلع أمرهم، ويجهد لكي يعود بهم معه إلى البيت، ولما كان أهل ماجدة قد انتقلوا من"حي الطوافرة"الذي جاورونا فيه طويلا إلى حي جديد على طريق حمص، مما جعلهم عمليا من سكان الضواحي، فقد كان عليه أن يقطع مسافة طويلة حتى يبالغ محيط المدينة القديم، فلما خرج بعد صلاة صباح ذلك اليوم وشارف حماة وجدها مطوقة من كل مداخلها، فلم يستطع التقدم أكثر وعاد ناجيا بنفسه. . وانفجرت الأحداث. . وعم القتل والتدمير. . وانقطعت حماة عن العالم بينما المذابح تجري في شوارعها وأهلها يموتون بالمئات. . وأثناء ذلك حاولت عمتي من جهتها الذهاب من دمشق إلى حماة لاستطلاغ حال أهلي ومساعدتهم في شيء، ورغم أن محاولتها تلك كانت انتحارية لم يوافقها عليها حتى زوجها، إلا أنها أصرت على المحاولة، وتمكنت من دخول المدينة بالفعل حتى شارفت