فهرس الكتاب
على الحي الذي نسكن فيه، إلا أن القوات العسكرية ردتها من هناك وما سمحوا لها بالإستمرار، ووقتها كانت أربعة أيام قد مضت على أبي وهو ملقى في الشارع لا يجرؤ أحد حتى على رفع جثته!
كسره خبزو حسب!
أما حادثة استشهادهم فبدأت عندما اعتصم أفراد من المقاومة في حينا واستعصى على القوات الحكومية اقتحامه، فأحكموا الحصار حوله ومنعوا المؤن والكهرباء والماء عن الحي كله، واستمر الحصار لسبعة أيام كما سمعت حتى لم يبق في بيتنا من الطعام أو الماء شيء، فخرج أبي وجعل يسأل طليعة القوات المحاصرة بعض ما يقيت الأطفال، وروى لي خالي الذي كان يشهد الحادثة من شباك بيته المطل على المكان أن الجندي انتهر أبي وأمره بالعودة من حيث أتى، لكن أحدا لم يكن ليستطيع أن يسكت جوع الأطفال، فخرج أبي مرة أخرى يقول للجنود: -فقط نريد قطعة خبزللصغار. فأجابه الجندي منتهرا: إرجع أحسن ما أرشك وأرميك بالأرض. لكن ذلك لم يرد أبي إلا لبرهة، عاد للمرة الثالثة بعدها يسالهم خبزا فالأولاد يكادون يموتون. . في تلك المرة لم يجبه الجنود إلا بزخة رصاص أردته على باب بيته. . وصاح خالي من بيته المقابل وسقط من هول المنظر مغشيا عليه، فلما ركضت زوجة ابنه لتحمله لمحها الجنود فالقوا على البيت قنبلة ضوئية لتكشف كل ما فيه واقتحموا عليهم وانتشروا في كل مكان فيه متدرعين بالنساء والأطفال فيه. . في تلك اللحظات وعندما سقط أبي برصاص الجنود سمع أخي ماهر الصوت من قبو البيت حيث كان الجميع قد التجأ فخرج ليستطلع الأمر، فلما رأى أباه صريعا أمامه ارتد إلى حجرته وتناول سلاحا كان"شبيبة الثورة"قد سلموه إياه ليدافع عن أمن الثورة"ولم يكن عمره قد جاوز الثالثة عشرة بعد! واندفع ماهر خارج البيت يطلق النار على الجنود الذين قتلوا أباه، فأصاب منهم من أصاب قبل أن يردوه هو الآخر قتيلا. . ولقد قال ناصيف خير بك لماجدة ولبقية رفيقاتي بعد ذلك عنه بكل صراحة: -أعطيناه السلاح ليحمينا به فقتلنا به. . هؤلاء كلهم خونة. . ولذلك جعلنا الصغير فيهم أربع قطع لأن بذرته إخوان وكان سيطلع إخوان! بعد ذلك خرجت أمي تدعو عليهم وتبكي وتستنزل اللعنات، فأكملوا جريمتهم ورشوها أمام الباب أيضا. . ثم دخلوا على البيت فأجهزوا على كل من بقي فيه: ياسر ابن أربعة أعوام، وقمر ابنة خمسة، ورنا في السادسة، وصفا التي كانت قد دخلت المدرسة في أول سنة لها وقد بلغت لتوها السبعة أعوام، ثم أختي ظلال التي كانت في العشرين تقريبا. . وأما أخوتي الثلاثة المتبقين فكان صفوان أولهم خارج سورية، وغسان وسامر متخفيان في حلب، فكانوا الناجين من بين بقية الأسرة التي قضت جميعا، وبالطبع فقد تم جمع جثث الجميع مع بقية القتلى في البلد ودفنوا في مقابر جماعية دونما تمييز وذلك قبل أن يتم رفع"