فهرس الكتاب
حظر التجول ووقف القتل والتدمير بأيام. . وعندما تمكن الناس من الخروج من مخابئهم اخر الأمر وتوجه عمي وزوجته ليروا ما حدث لم يجدوا إلا غطاء رأس أمي عند بوابة البيت وسط بقعة كبيرة من الدم، ووجدوا على جدران القبو وفوق أرضه دم إخوتي البقية ولا أثر لجثة أي منهم.
حي على الجهاد
وأما أخي عامر الذي كان في الرابعة عشر من عمره فقد استشهد في نفس الفترة بعيدا عن أهلي في شارع 8 اذار. وكانت أمي قد أرسلت عامر ليجلس مع جدته في بيت أخيها المسافرإلى السعودية حتى لا يأتي المخابرات ويجدوا البيت خاليا فيسرقونه كعادتهم، لكنهم لما أتوا للتفتيش فعلوا ما هو أسوأ. . فعندما وجدوا عودا من ممتلكات خالي جلسوا يدقون عليه وقد انهمك بقيتهم في العبث بمحتويات الغرف الأخرى بلا رقيب أو حسيب، ثم طلبوا من جدتي وسط قهقهاتهم الفاجرة أن تقوم فترقص لهم، في الوقت الذي اختبأ عامر تحت السرير فما وجدوه، ومن رعبها وخشية منها أن يتمادوا معها أو أن يعثروا على أخي قامت جدتي بسنها الذي قارب السبعين فامتثلت ورقصت بهيبتها ووقارها وتقاها لهم. . فلما انصرفوا وقد نهبوا ما أرادوا وحطموا أكثر مما نهبوا نادى مناد في المآذن ا احي على الجهادا ا. . فخلع أخي ساعته وتوضأ وصلى ركعتين سنة الشهادة ودفع إليها بالساعة وقال لها: - هذه الساعة ذكرى مني خليها معك وأعطيها لأمي ذكرى وادعي لي .. وخرج راكضا وجدتي تناديه أن يا عامر تعال وهو لا يستجيب. . ورأته آخر ما رأته وقد دخل سوق الطويل حيث كان الإخوان يعتصمون بداخله، ولم يخرج بعدها إلا مرة واحدة طرق الباب فيها على إحدى القريبات حافي القدمين ممزق الثياب يسالها أن تمنحه أي نوع من الطعام أو اللباس لديها، وأخبرها بأن رفاقه يكادون يموتون من الجوع والبرد. . ولم يكن لدى هذه العائلة من الأولاد إلا البنات، فاحتارت أول الأمر، ثم أعطته ما توفرمن جاكيتات وكنزات كبيرة الحجم يمكن للشباب أن يستخدمونها، وأعدت له بعض الطعام وأشياء أخرى أخذها وذهمب، وفي اليوم التالي وجدوه مستشهدا في نفس الشارع، فأتى رفاقه ودفنوه مكان مسجد هدمته المخابرات، وبعد انتهاء الأحداث حفروا ثانية ونقلوا الجثة إلى المقبرة، ولكننا لم نعرف للأسف أين بالتحديد لأن الذي دفنه استشهد أيضا! وهكذا تلقيت نبأ استشهاد والدي وخمسة من إخوتي مرة واحدة، وبلغني الخبر الذي كانت البنات تخفينه عني طوال شهور رحمة بحالي وإشفاقا على، إلا أنني سبحان الله لم أحس الخبر مفجعا كما ظن الآخرون، ولم أحزن عليهم حزني على أحبة فقدتهم لأنهم في حالتهم هذه شهداء إن شاء الله. . وكل منا يدعو الله متمنيا أن يرزقه الشهادة كرما منه سبحانه وفضلا، فكيف يحزن إن أكرم الله بها أحب الأحبة وأقرب الناس إليه؟ إننا نخاف من الموت فقط