فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 711

مرة على ماكينة يدوية كان أهل رغداء قد تمكنوا من إدخالها الى السجن بعد جهد كبيروجدته يقول لي: منشان الله شيلي هالماكينه من وجهى لا أحب أن أرى أحدا يخيط.". قلت له: لماذا؟ فبكى. . فجعلت الحاجة تسايره وتلح عليه حتى تكلم وقال: - لأن أمي كانت خياطة، وكانت لديها ماكينة تشبه هذه الماكينة التي مع هبة. . وكانت أمي تضع غطاء صلاة مثلها أيضا وتجلس لتخيط وفي مرة ثانية وكنا ننادي عاثشة بعيشة فقال للحاجة: منشان الله لا تنادونها عيشة. قالت له: وماذا تريد أن نناديها؟ قال: نادوها أم النظارات. سالته: ولماذا؟ قال: لأن أمي اسمها عائشة. قالت له: وأبوك. . ماذا يشتغل؟ قال: عنده مكتبة قرآن بالحاضر. سالته: أين؟ فوصف لها المحل وصفا دقيقا كأنه يراه فازددنا تأثرا عليه وتعاطفا معه. . وجلس أحمد معنا وهو يبدع يوما بعد يوم على غير كل الأولاد. . كان ولدا عبقريا بالفعل. . لا توجد طبخة ولا خياطة ولا شغلة إلا وتعلمها. . وكان يؤذن أجمل أذان ويتلو القران أحلى تلاوة. . واذا دعا بعد الصلاة يقول: اللهم أنزل قنبلة على سجن تدمر! وسمع المقدم موفق السمان مدير السجن بقصة الفتى، فلما التقآه عطف عليه وصار يأخذه معه إلى البيت فيحممه ويدلله أيما دلال، وكان للمقدم بنت وصبي متقاربان في العمر مع أحمد، فصار يأخذه معهما إلى المسبح، ووضع له سائقا خاصا ليتنقل به بين السجن والبيت، وأخذه مرة إلى المحل الذي يشتري منه احتياجات بيته، لكن الولد تعلم على المكان فصار يذهب إلى البائع وحده يقول له أعطني كذا وكذا على اسم العقيد، ثم يضع هذه الأشياء بصندوق ويذهب إلى محطة القطار فيبيعهم فيه ويرجع إلى السجن عندنا، فإذا حضر المقدم يسأل عليه رآه بيننا، وإذا غاب عنا نظنه عند المقدم. . حتى إذا حان اخر الشهر وجد المسكين فاتورة كبيرة عليه لم يدر من أين، فلما استعلم أخبره البائع أن أحمد كان يشتري على اسمه. . فسكت!"

شخصيتان. . وصفعتان!

وانتشر صيت أحمد وذاع حتى بين الأهالي، فصاروا إذا حضروا لم يغب نصيبه من الهدايا، واذا انصرفوا تنافسوا من سيأخذه ليزور عنده. . وصار أحمد حكاية وتنعم إلى حد البطر. . وصار إذا قالت له واحدة منا: لم فعلت هذا؟ رعف بسرعة وأغمي عليه وأخذمع الأيام يحب أناسا ويكره اخرين! ولا يتورع أن يرمي العداوة بين واحدة وأخرى وتكشفت له قدرات رهيبة في هذا السياق. وذات مرة لم يعجبه في عائشة شيئا ما فمضى إلى الشرطي وقال له: -عيطت علي. فانفعل الشرطي حنوا على الولد وقال لها: إذا تكررت الحادثة مرة ثانية فسأمنع عنك الزيارات! وكأن قلبها كان دليلها بالفعل، فلقد قالت لنا مبكرا إن لهذا الولد شخصيتان. . وهو غير طبيعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت