فهرس الكتاب
كان عام 84 قد انتصف وانسلخت من العمر سنون وشهور ما عدنا نبالي حتى بعدها. . وكان يوما عاديا كمئات من أيام السجن المملة غيره يوم أن دخل أبو مطيع مدير السجن علينا فجأة وصاح على باب المهجع: -إيمان ت. إيمان ق. عائشة ق. حليمة. . فلما التفتن إليه وتقدمن يستطلعن الخبر ألقى إليهن العبارة كالقنبلة وقال -هيا. .جهزن أنفسكن. . إفراج! لم تستوعب البنات العبارة بادئ الأمر. . وظن أن ثمة خطأ ما. . في النقل أو في التلقي. . فلما عاد وأكد ما قال احتبست الكلمات واختلجت في الصدور القلوب. . ولم تلبث أم شيماء وايمان أن ردتا دامعتي العينين: -لا نخرج إلا مع كل السجينات. . - وتقدمت إيمان فجثت عند رأسي وكنت لا أزال مريضة وقتها وصارت تبكي وتقول لهم: -لن أخرج إلا أن تخرجوا هبة معي. فقال لها أبومطيع: - بإمكانك أن تبقي هنا على الرحب والسعة لولا أن الأمر أتى بالإفراج، لكن بإمكانك أن تخرجي وتجلسي تنتظرينها على باب السجن ماشاء الله! قالت له: لا لن أخرج. . لن أخرج. . ووقفت أم شيماء تبكي من جهتها وتقول لي: -كيف سأخرج وأنت لا تزالين هنا؟ وأخيرا لم يجد إلا أن يسحبهما سحبا وهما تحاولان التشبث بالشبك وبالقضبان ولا تكفا عن النحيب حتى خرجتا. . وعلمنا بعدها أنهم أخذوهن إلى أمن الدولة في البداية ثم أفرجوا عنهن من هناك وما عدت رأيتهن بعدها. لكن خروج هذه الدفعة ثم الإفراج عن سناء بعد أسابيع قليلة وبمناسبة الحركة التصحيحيئ فيما أذكر أحيا فينا الأمل، وظننا بأن باب الفرج قد فتح وأن أيام خروجنا قد دنت أيضا. . غيرأن الأيام التالية كذبت ظنوننا. . فمات الأمل من جديد. . وعاد مزيد من السجينات يفدن علينا دفعة وراء دفعة، فيحرك فينا الألم الراكد، ويزيد فينا الشعور بأنها حياة ها هنا بين المهاجع والزنازين إلى الأ بد! في السبعينات وأحرقوا لحيته! كانت أم خالد أمية أ. وأم زهير أ. قد أمضيتا عاما كاملا في سجن التحقيق العسكري بدمشق قبل أن يأتوا بهما إلى قطنا أواخر عام 84، لكن كلتيهما كانتا قد فقدتا أحب الأحباب من عائلتيهما وعانتا في سبيلهم الكثير. وأما أمية فهي ابنة عالم شهيرمن علماء دمشق هو الشيخ أحمد أ. الذي استشهد اثنان من أبنائه (علاء ومصطفى) واعتقل الثالث والأكبر (شهاب) ويقال أنهم أعدموه بتدمر فيما بعد. . ولقد تم اعتقال أفراد العائلة كلهم مرتين أو ثلاث بما فيهم إحدى حفيدات الشيخ أحمد الطفلة شيماء وكان عمرها سنتين فقط، فيما كان الشيخ أحمد في السبعينات من عمره! ولا أزال أذكر كيف قال الرائد عبد العزيز ثلجة في التحقيق: - انظري. . هذا الشيخ أحمد عامل حاله شيخ أنا أحرقت له لحيته بالنار! وكانوا قد اعتقلوهم أول مرة ثم أطلقوا سراحهم، فلما استشهد ولداه أعادوهم إلى الإعتقال! وأما أمية فقد نالت نقمة مضاعفة مرة بسبب والدها وإخوتها والثانية بسبب زوجهاوهو طبيب من حلب اسمه صالح خ. - اعتقل قبل أن نعتقل نحن بعام كامل بتهمة